ننشر الفصل الرابع من رواية "حكاوي الرصيف" لمحسن رشاد أبو بكر

 (4) إمام الشاعر وأخوه عرابي

الاسم: .. صابر

التهمة: .. مصري

السن: .. أصغر سن عصري

رغم انسدال الشيب ضفاير ضفاير

من شوشتي لما لتحت خصري

أحمد فؤاد نجم – من قصيدة الاسم صابر

 

لم يكن هناك مفرًّا من أن يتخذ "سامي" قرارًا سريعًا بالانتقال إلى اللوكاندة

 

حتى يستطيع التكيف مع الظروف الجديدة المصاحبة

 

لاتساع نطاق أعماله، وزيادة حجم البضاعة التي يتعامل فيها

 

وأيضا لأن "الحرامي" على الأبواب. و الحرامي هذا، هو فصل الشتاء،

 

كما يحب سامي، وبقية البياعين أن يطلقوا عليه.

 

 

....: إحنا بنسميه الحرامي لأن وقته قصير، وكمان الحركة فيه فترة الليل، الفترة الأساسية لينا وإحنا واقفين على الرصيف، بتكون قليلة. الناس بتكون لابدة في بيوتها من البرد، والحركة في الشارع بتبقى نايمة شوية([1]) .. عشان كده بنسميه الحرامي، ولازم نسرقه قبل ما يسرقنا، ومع إني باشتغل في العطور اللي بيقل الطلب عليها فترة الشتا، بس كنت أتوسعت في تجارتي وزودت بضاعة تانية، بعد موافقة أوكسا طبعًا، وهي الجيل والكريمات جنب العطور. كنت باشتريهم من محلات في شارع الموسكي وحارة اليهود وأبيعهم جنب العطور اللي كنت باركبها بنفسي. وجنب كل دا كان ممكن أزود لي شوية طواقى شبابي روشة، ولاعات، يعني أي مصلحة صغيرة كده يكون مفيش حد من جيراني البياعين بيشتغل فيها.

 

.... : أحسن حاجة في شغلتنا دي أنك تقدر هوا([2]) تصفي كل شغلك وتتنقل من بضاعة للتانية. إحنا في الآخر بنشتغل في بضاعة الغلابة يعني تمنها قليل. وكمان الحركة من مكان للتاني بتساعد. إحنا كأننا شايلين محلاتنا على أيدينا وبنتحرك بيها. صحيح إن الأمر لازم يكون بموافقة أوكسا. لكن في النهاية تقدر تقنعه أو تفوت له([3]) كام جندي([4]) زيادة وتقعد في مكان تاني.

كان سامي يتحدث عن ظروف العمل كما لو كان خبيرًا في

 

إدارة المشروعات أو كأنه يلقي محاضرة عن التخطيط ودراسة

 

الأسواق ، وكان مشغول دائما بسؤال مهم: ماذا لو .... ؟

 

 

.... : تصور لو فيه محلين جنب بعض، وغاب صاحب محل مكانه مميز، مش ممكن طبعًا حد يتنقل للمحل بتاع جاره عشان يستفيد بالمزايا اللي موجودة فيه، أما بالنسبة لنا إحنا، الأمر سهل. بنعرف نستخدم المكان أحسن استخدام في كل الأوقات من غير ما حد يتعدى على حق حد. يعني ممكن مثلاً تكون الحتة اللي واقف فيها جاري تحت عمود نور كبير، فلما يغيب أتنقل مكانه لحد ما يرجع وأستفيد بميزة النور. بس في الاخر كل بياع ليه مكان معروف يعرفه بقية البياعين. وحركته من مكان للتاني بيكون بموافقة البياعين و"أوكسا" طبعًا قبل الكل.

 

شهدت تلك الفترة استقرارًا كبيرًا لسامي وتوسعًا في أعماله،

 

وحرية في التنقل من مكان إلى آخر في الشارع نفسه حسب حركة السوق.

 

وكانت فكرة انتقاله للوكاندة صائبة لأنها وفرت عليه الكثير من الوقت والجهد، وكذلك، الأموال المستنزفة في أجرة التاكسي ذهابًا وإيابًا

 

إلا أن الرياح لا تأتي دائمًا بما تشتهي السفن.

 

فقد واجه مشكلات من نوع آخر أعاقت استقرار تجارته الأساسية (تجارة العطور)

 

التي يحقق من خلالها الجزء الأكبر من أرباحه.

 

 

.... : رغم إن كل المشاكل اتحلت وبقه عندي حرية في الحركة من مكان للتاني بالاتفاق مع "أوكسا"، وكنت أستقريت في اللوكاندة، وباكسب كويس، وبقيت أعدي كل أسبوع على أمي أديها اللي ربنا يقدرني عليه. بس حصلت مشكلة ما كانتش على البال ولا على الخاطر. فجأة أسعار الأزايز اللي كنت متعود أجيبها من تجار الأزايز المستعملة زادت الضعف، كل يوم عن اللي قبله كان سعرها بيزيد لغاية ما اختفت خالص، ما حدش لاقي إزازة في أي حتة. لغاية ما قامت في دماغي إني اروح أقابل المعلم فرج شيخ الزبالين. كنت أسمع عنه إنه راجل جدع وممكن يجيب لي الأزايز من عزبة الزبالين نفسها. وعرفت إنه متعود يقعد على قهوة في الضاهر كل يوم بعد المغرب.

 

....: خدت الواد "مصطفى البدوي" اللي بيقف بموتوسيكل على ناصية شارع التوفيقية. مواصلة حلوة، هي الوحيدة اللي كانت هتنفعني  عشان كل الأماكن اللي كنت عايزها كانت زحمة. كان ساعتها بيأجر الساعة بعشرة جنيه قبل ما تغلى أسعار الفسب والموتوسيكلات. بالعشرة جنيه دول يفضل يلف بيك ساعة كاملة مكان ما انت عايز في حدود شوارع وسط البلد لغاية السيدة زينب والضاهر.

 

 

-         اشمعنى السيدة والضاهر ياد يا مصطفى. ما انت ممكن تروح السبتية والقصر العيني، والترجمان. ماهي دي برضو قريبة زي السبتية والضاهر ويمكن أقرب كمان.

-         إيه يا عم سامي أنت ليك أكل ولا بحلقة. خليك في حالك.

-         ياد باحاول أضيع الوقت معاك لغاية ما نوصل. وكمان أنا واد ابن بلد وجدع وممكن نبقى أصحاب.

-         ماشي يا عم سامي. يعني انت مش عارف.

-         عارف إيه يا مصطفى.

-         أنا لا معايا رخصة ولا الموتوسيكل ليه رخصة.

-         يا نهارك اسود انت كده هتودينا في داهية.

-         شفت بقه، أديك لا طلعت ابن بلد ولا جدع زي ما بتقول.

-         لا يا درش بس أنا خايف عليك.

-         لأ يا خفيف ما تخافش. السيدة والضاهر دول منطقتي حافظ كل خُن([5]) فيهم، هتشوف دلوقتي هاوديك إزاي الضاهر من شوارع وحواري عمر أهلك ما شافوها ولا سمعوا عنها.

-         يعني كده تضمن انك ما تقابلش لجنة مرور ولا حاجة.

-         قصر بقه يا عم سامي وبلاش تجيب لنا سيرتهم. دول زي العفاريت. بييجوا على السيرة، ما العفاريت دول ما يطلعولكش غير لما تجيب سيرتهم.

 

شهدت السنوات الأخيرة، حلولا شعبية مبتكرة خارج

 

إطار القانون من أجل التغلب على مشكلة المواصلات وازدحام الشوارع.

 

ومنها انتشار فكرة التوصيل بالموتوسيكل والتي كانت منتشرة في الأرياف فقط،

 

وبداية ظهور التوك توك في الأحياء الشعبية،

 

وأيضًا استخدام السيارات الملاكي غير المرخصة

 

لنقل الركاب في الأحياء الشعبية التي يصعب وصول لجان المرور إليها.

 

 

....: خدته ولفيت بيه لغاية ما وصلت لـ "المعلم فرج". الناس هنا لسه بيسموه شيخ الزبالين. بس الحقيقة إن موضوع "شيخ" دي بطلت خلاص، هو كان رئيس جمعية الزبالين. عرفت القهوة اللي بيقعد عليها في الضاهر ورحت قابلته هناك. وقال لي: (إنسى الموضوع دا شوية لأن عندنا مشاكل كتير. بس ممكن تبقى تعدي علي مرة كل يومين تلاتة يمكن أعرف أتصرف لك في حاجة).

 

....: اتصاحبت على المعلم فرج وكنت باروح له كتير في الأيام دي عشان أتابع معاه يمكن يقدر يظبطلي شوية أزايز أشتغل بيهم بدال ما أجيب أزايز جديدة بيبقى سعرها غالي. مع إن جسمه كان قليل بس تحس في نظرة عينه بقوة ما لهاش حل، وتلاقيه على طول ماسك الشيشة في أيده وناس كتير من الزبالين ملمومين حواليه ومركزين في كل كلمة بيقولها. كنت أسمع الزبالين لما ييجوا يتكلموا معاه على المشكلة اللي الحكومة وقعتهم فيها. وعلى شركات أجنبية وأسماء وحكاوي غريبة، ورغم إني ما كنتش فاهم أوي إيه المشكلة بس حسيت إن الزبالين كانوا كلهم أيد واحدة.

 

كانت تلك الفترة قد شهدت إسناد عمليات جمع القمامة بالقاهرة الكبرى

 

 إلى بعض الشركات الأجنبية، وإقصاء الزبالين التقليديين

 

عن جمع القمامة من المنازل، كما كانوا منذ أكثر من نصف قرن،

 

مما أثر بشكل كبير على بعض المخلفات التي يعاد استخدامها.

 

وبالتالي تأثرت تجارة كل المواد المستعملة التي كان مصدرها الرئيسي

 

 هو الزبالين التقليديين. وتبعًا لذلك ارتفعت أسعار

 

تلك المواد المستعملة ومنها الزجاجات الفارغة

 

التي كان يستخدمها سامي في تعبئة العطور.

 

 

 

المعلم فرج: كنا شغالين بما يرضي الله من أكتر من خمسين سنة. الواحية([6]) يجمعوا الزبالة من البيوت، ويدوها للزرابة([7]).

سامي: الواحية!؟ .. الزرابة!؟ .. مين دول يا معلم؟

المعلم فرج: مش مهم حكاية "الواحية" و"الزرابة" دي .. قصدي بيهم الزبالين   .. نهايته، استمرينا على الحال دا سنين من غير ما نضايق حد ولا حد يضايقنا لغاية ما جات الحكومة  أول التمانينات كده وعملت هيئة النضافة وفرضوا علينا رسوم([8]) عشان يدولنا ترخيص، دفعنا كل اللي طلبوه مع إنهم بقوا بياخدوا مننا ولا بيدونا أي حاجة قصاد([9]) الفلوس دي.

المعلم فرج: كام سنة تاني وقالوا لازم تستخدموا عربيات نص نقل بدال العربيات الكارو عشان شكلها مش حضاري. جمَّعنا واشترينا عربيات. وفضلنا على الحال دا لغاية ما فجأة لقيناهم طالعين لنا في حكاية الشركات الأجنبية وعايزين يقطعوا عيشنا. مش عارف هما ليه ما سابوناش([10]) في حالنا وسابونا نشتغل في المناطق اللي قادرين نجمع الزبالة منها، وراحوا هما اشتغلوا في مناطق تاني وشالوا الزبالة اللي مرطرطة في الشوارع.

سامي: ياقوة الله يا معلم ، دا انت دماغك متكلفة، والله عندك حق، بس انتو هتعملوا إيه بقه.

المعلم فرج: إحنا لسه هنعمل. إحنا بدأنا خلاص. أول حاجة جمعنا كل الزبالين ورحنا قابلنا المحافظ وطلبنا منه انهم على الأقل يشغلونا في الشركات دي لأن كده عيشنا هيتقطع، وفضلنا وراهم، شوية اجتماعات في المحافظة وشوية مع بتوع الشركات لغاية ما وافقوا على انهم يسيبوا الزبالين اللي بيجمعوا من البيوت زي ما هما، بس الشركات دي حطت لنا شروط صعبة شوية بس يعني هنعرف نتصرف معاهم إن شاء الله.

*****

 

....: ولما كنت بأروح للمعلم فرج اتعرفت على راجل نكتة؛ شكري القصير، وبقه هو بعد كده أيدي ورجلي وعيني جوا المنطقة . هو اسمه "شكري عازر" بس أنا كنت باسميه كده عشان قصير قوي، وتلاقيه على طول شعره منكوش ودقنه منبتة، ما فتكرش انه عمره غسل وشه. عارف طوب الأرض([11]) ، وأي حد يدور عليه في أي وقت لازم هيوصل له. يعني ممكن تكون انت عايزه دلوقتي تنزل تدور عليه في التحرير تلاقيه، وأكون أنا كمان محتاجه في نفس الوقت ألاقيه في السيدة، ويكون واحد تالت محتاجه في نفس الوقت يدور عليه يلاقيه قاعد على قهوة في شارع كلوت بيه.

 

....: كنت باعطف عليه. يعني لما أشوفه أظبطه([12]) باللى فيه النصيب. يعنى ممكن علبة سجاير، اثنين تلاتة جندي، أكلة فراخ حلوة متحبشة. وقدام دا كله ممكن تلاقيه في مرة يقلب عليا الدنيا لغاية ما يلاقينى عشان يعرفني إن فيه بيعة أزايز حلوة على سعر كويس. بس هو بقه كان بيجيبها لي من المنبع، من الزرايب نفسها. كنت أروح بسرعة أخلص البيعة لنفسي قبل حد تانى ما يا خدها، ولو ما كنتش هاستخدمها أنا لشغلي كنت برضو بأعرف أبيعها وأطلع منها لقمة عيش حلوة.

 

....: الزرايب دي بقه قصة تاني. مكان مش سهل دخوله لأي حد، وحتى لو دخل لوحده مش هيعرف يطلع بمعلومة صح لأن الناس هتِحلَقله([13]) لأنهم ما يتكلموش مع حد غير لو كانوا يعرفوه كويس أوى أو يكون جاي مع حد معروف كويس عندهم. وشكري القصير تقريبًا كده كان ساكن هناك، عشان كده كل الناس عارفينه.

 

....: في مرة واحد من اللي كانوا بيقعدوا في اللوكاندة طلب منى أجيب له 50 ألف علبة بلاستيك مستعملة عشان واحد تاجر كبير عايز يسفرهم المغرب، رحت على الزرايب، وفي سكتي عديت بالتاكسي على "شكري" عشان أخده معايا ما رضيش ييجي بس بعتني لواحد هناك متعهد بلاستيك. رحنا له هناك وأول ما شافنا من بعيد وقبل ما ننطق بكلمة لقيناه طلع يجري واختفى وما ظهرشي تاني غير بعد حوالي عشر دقايق ومعاه اثنين تاني. وأول ما دخلوا علينا راحوا مطلعين لنا بطايقهم، وقالوا لنا: (معلهش يا بهوات عايزين نتعرف.  دي بطايقنا أهي وعايزين إحنا كمان نشوف بطايقكم).  بعد ما شافوا البطايق دخلنا دوغري في الموضوع وخلصنا البيعة في أقل من عشر دقايق، وأخدت عمولة في الموال ده 200 جنيه من الطرفين والمشوار كله ما كلفتنيش غير تلات ساعات. وبرضو رجعت يوميها ظبطت "شكري" بعشرين جندي.

                                                         

....: نهايته، نرجع لموضوع الأزايز. فضلت على الحال دا أكتر من شهرين مش عارف ألاقي أزايز أعبي فيها العطر، وكان شهر رمضان على الأبواب. ساعتها افتكرت أن كان لي أكثر من تلات شهور ما شفتش أمي، قلت لازم أروح أزورها عند خالتي، بس كان نفسي ساعتها بعد الغيبة دي كلها أروح لها وأنا واخد لها حاجة حلوة معايا. بس عرفت أتصرف ساعتها. استلفت خمسين جنيه من عم عزت، ورحت اشتريت بيهم حاجة رمضان مشمش وزبيب والذي منه ورحت لها.

 

....: اتبسطت قوي في اليوم دا لأني قابلت هناك أخويا "عليم"، ما كنتش شفته من ساعة ما سبت بيت أبويا غير مرتين تلاتة عند خالتي، ورغم إني كنت زعلان منه إلا إني أول ما شفته خدته بالحضن، دا برضو أخويا الصغير، وكان نفسي كمان أشوف "مسعد".

-         يا ندل .. فينك دا كله، ما تفكرش تسأل على أخوك.

-         والله يا سامي أول ما عرفت سكتك من أمي رحت سألت عليك عرفت أنك سبت الشقة اللي كنت قاعد فيها في عين شمس ومحدش عارف أنت فين. حتى أمي ما كانتش تعرف مكانك. كل اللي قالته لي إنك كلمتها مرة في التليفون وقلتلها إنك قاعد عند واحد صاحبك في الهرم وبتشتغل معاه في محل بويات.

-         هرم إيه وبويات إيه. لما نقعد مع بعض هأبقى أرسيك على الليلة([14]) . أنا دلوقتي عندي شغل خصوصي. وكمان ممكن أخدك تشتغل معايا. عشان اتوسعت في شغلي جامد.

-         شغل إيه وفين؟

-         تجارة.

-         تجارة إيه؟

-         عطور. أخوك بقى تاجر عطور كبير أوي.

-         بجد!، دي شغلانة حلوة. طب ما تقولي أجيلك امتى وفين؟. خدت محل فين بقه؟.

-         لما أقعد معاك لوحدك هاحكيلك كل حاجة، وقفل بقه على الموضوع دا دلوقتي عشان أمك جاية، ومش عايزها تعرف الموضوع دا.

-         ليه دي هتتبسط أوي لو عرفت.

-         انت مش عارف أمك يا عليم هتقلق من حدوتة التجارة دي، وهتقولي شفلك وظيفة أحسن. أنا عشان كده قلتلها إني بأشتغل في محل واحد صاحبي وقاعد معاه.

 

فرحت أمهم كثيرًا حينما دخلت عليهم غرفة جلوس شقة أختها،

 

ووجدتهم في حالة ألفة وسرور ، وزادت بهجتها حينما أخبرها "عليم"

 

أن "مسعد" أخوهم الثالث قد استقر في محل الجزارة

 

الذي ذهب للعمل به في السعودية، وإنه طلب منه معرفة عنوان زوج خالتهم

 

 لكي يرسل عليه فلوس لها ، وكان هذا اللقاء الأسري الحميم حافزًا لسامي لعدم الاستسلام لظروف العمل في العطور.

 

*****

....: نزلت من عند خالتي دوغري على السيدة زينب، اتعرفت على تاجر فوانيس هناك، وأخدت منه بضاعة بالآجل بعد ما ضمني عنده "شكري القصير".

....: مروا أول عشرة أيام من شهر رمضان على خير، وعملت قرشين حلوين.. طبعًا مش زي شغل العطور. لكن أحسن من مفيش. وسددت الفلوس التاجر اللي خدت منه الفوانيس، واشتريت شوية حاجات تاني، مشيت نفسي بيها لغاية قبل العيد بيومين لاقيت اتنين داخلين عليا، واحد فيهم تخين وقصير شوية، والتاني طويل ورفيع ولابس جاكت بدلة على بنطلون جينز تعبان، وقال لي:

-         أنت بياع عطور

قمت منطور وقلت له:

-         أيوة يا باشا، خدامك سامي، تحت أمر سعادتك، بس سعادتك عرفت منين.

-         أوكسا اللي قال لي.

-         هو سعادتك تعرف أوكسا.

-         ما أعرفوش كويس بس كنت باسأل على بياعين عطور ودلني عليك.

-         خير يا باشا.

-         أنا تاجر عطور باوزع على البياعين.

 

....: شميت نفسي وبلعت ريقي([15]) أول ما قال لي كده. لأنهم أول ما دخلوا علي، بالذات الواد إمام بطوله اللي ما لهوش آخر زي اليوم الأسود، وجاكت البدلة بتاعته. افتكرته واحد من إياهم([16]) بتوع المباحث. بس في الآخر طلعوا بياعين عطور موتورجل، يلفوا الميادين والشوارع اللي بيقعد فيها البياعين ويبيعولهم أزايز العطور بسعر الجملة. يعني ممكن تسميهم تجار جملة. كانوا بييجوا من بلد اسمها ههيا في الشرقية، بيصنعوا العطور دي عندهم في البيت ويعبوها، وييجوا يبيعوها هنا في مصر.

                                                               

.... : أحسن حاجة فيهم إن بضاعتهم كانت نضيفة، بس طبعًا سعرهم عالي شوية وفرق معايا جامد. بعد ما كنت أنا باشتري بنفسي الأزايز الفاضية وأعبيها عطور مركبها أنا بنفسي، بقيت أشتري جاهز، وتكلفتي زادت كتير، وفي نفس الوقت حاولت أرفع سعر الإزازة للمشتري بس حركة البيع قلت.

 

.... : أحسن حاجة في إمام دا أنه كان ممكن يعملك خصم، أو حتى يديلك بضاعة بالآجل، قصاد حاجة واحدة بس، إنك توافق تروح تقعد معاه على أي قهوة ويعزمك هو على المشاريب كمان، ويقعد يقولك قصيدة من قصايده.

 

اللي عايز يجري على يميني يجري

واللي عايز يجري على شمالي يجري

بس أنا هأمشي على مهلي

 

....: الله يا إمام، إشعر يا عم إمام إشعر.

 

[1] ) نايمة شوية: المقصود هنا قلة حركة المارة في الشارع.

 

[2] ) هوا: سريعًا.

 

[3] ) تِفَوِت له: تعطيه.

 

[4] ) جندي: جنيه.

 

[5] ) خُن: مكان صغير غير معروف إلا لعدد قليل من الناس.

 

[6] ) الواحية: مجموعة من المهاجرين من الواحات الذين نزحوا إلى القاهرة تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة بالواحات نهاية القرن التاسع عشر، واستقروا بمنطقة باب البحر الواقعة بين ميداني رمسيس والعتبة، وكانت المهارة الوحيدة التي يمتلكونها هي طحن الحبوب، فبدأوا تشبيك علاقاتهم مع سكان القاهرة حيث يأخذون منهم الحبوب ويقومون بطحنها وإعادتها ثانية إلى أصحابها. ومع زيادة مرات ترددهم على البيوت، فكر الأهالي في التخلص من القمامة عن طريق إعطائها لهم للإلقاء بها بعيدًا عن مناطق سكنهم. لكن الواحية الذين كانوا يبحثون عن رزقهم بكل السبل لم يقوموا بإلقاء تلك القمامة إلا بعد أن يقوموا بفرزها بحثا عما يمكنهم استخدامه. ومع زيادة اعتماد البيوت عليهم في التخلص من القمامة زادت كمية المخلفات الممكن إعادة استخدامها، فبدأوا يفكرون في بيع ما يقومون بفرزه من القمامة ويكون زائدًا عن حاجتهم. وبالفعل تمكنوا من التشبيك مع مجموعة من تجار الزجاج والبلاستيك والورق، وبعد بيع كل ما يمكن فرزه من هذه الأشياء تبقى لديهم بعض المخلفات التي لا يمكن بيعها فاستخدموها كوقود لطهي قوادر الفول المدمس الكبيرة واستخدام البخار الناتج من عملية الطهي في تسخين الحمامات التركية.

 

[7] ) الزرابة: خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، ومع نزوح مجموعة من المهاجرين من قرية البدارى بأسيوط ليستقروا بمنطقة المقطم، بدأ الواحية بتشبيك علاقات معهم بأن يبيعوا لهم المخلفات العضوية لاستخدامها في إطعام الحيوانات المنزلية مثل الدجاج والماعز، بالإضافة إلى الخنازير التي كانوا قد اعتادوا تربيتها بزرايب داخل منازلهم، حيث كان معظمهم من الأقباط. وبمرور الوقت تطورت المهنة كثيرًا فأصبح الواحية يقومون بجمع القمامة من المنازل ويبيعونها للزرابة الذين انتشروا في سبعة مناطق بالقاهرة الكبرى (عين الصيرة، والمعتمدية، والبراجيل، وطرة، وعزبة النخل، وحلوان، والمقطم).

 

[8] ) تضمنت رسوم الترخيص التي كان يدفعها الزبال للهيئة في ذلك الوقت (عام 2003) تأمين يتراوح بين 2000 - 8000 جنيه حسب المستوى الاقتصادي للمنطقة (فمثلا يرتفع التأمين إلى أعلى مستوياته في منطقة الزمالك)، ورسم سنوي 200 جنيه، ورسم شهري بمعدل 30 قرش للوحدة (في الزمالك 125 قرش) ، ويتم تحديد عدد الوحدات بكل ترخيص بناء على تقرير اللجنة التي يتم تشكيلها من الهيئة لمعاينة المنطقة التي يطلب المتعهد جمع قمامة منازلها.

 

[9] ) قصاد: مقابل.

 

[10] ) ما سابوناش: لم يتركونا.    

 

[11] ) تلاقيه عارف طوب الأرض: مصطلح شائع للتعبير عن مدى اتساع حجم علاقاته ومعارفه.

 

[12] ) أظبطه: أعطيه

 

[13] ) تحلقله: ترفض الحديث معه بوضوح أو تعطيه معلومة.

 

[14] ) أرسيك ع الليلة: أحكي لك أصل الموضوع.

 

[15] ) شميت نفسي وبلعت ريقي: مصطلح شائع للتعبير عن انتقال الفرد من حالة انفعالية سلبية كالخوف أو القلق التي يترتب عليها جفاف فم الإنسان. إلى حالة الاطمئنان والسكينة فيزداد لعابه ويتمكن من التنفس بشكل طبيعي.

 

[16] ) واحد من إياهم: مصطلح شائع للتعبير عن الأشخاص غير المرغوب فيهم لدرجة القلق من ذكر صفتهم او أسمائهم.

 
 
 
التعليقات