وسام جنيدي يكتب: سبحة كهرمان (2) إلى شارع شبرا الذي كان

 

 

كان المشهد طريفاًً  للغاية لكل من كان يراه ذلك اليوم ، الأطفال جلوس على الرصيف المواجه لمحل غالى، بينما يجلس كل من غالى ومحمد وأبونا فيلوباتير وأم ميرفت فى مقرها الدائم بالبلكونة ،جميعا يأكلون الأيس كريم

- كان فيه واحد زمان مشهور آوى بتاع دندورمة بيعدى فى عربيات فى كل حتة ،بس مش فاكر اسمه إيه؟

 

أبونا فيلوباتير :

- *الرميلى ، ده كان بتيجى عربياته عندنا فى المنيا

نظر محمد وغالى فى إعجاب إلى أبونا فيلوباتير فشعر بالخجل:

- أنت كان اسمك إيه يا أبونا قبل ما تدخل الدير؟

-وديع

 

ثم مستطردا :

- انا أصلا يتيم أب وأم ودرست فى كلية العلوم ،وبعد تخرجى بسنة ، أستشهد اخويا الوحيد فى حرب ٧٣ ، فوهبت حياتى للرب ودخلت الدير

زادت نظرة الإعجاب من محمد وغالى فزاد خجل أبونا فيلوباتير لأدبه الجم ، فانتشله محمد من خجله :

- وديع وأنت وديع فعلا يا أبونا ، يلا يا سيدى بقى عندك أخين أهو واحد مسلم والثاني مسيحى

- يعلم الرب إن ده اللي أنا شاعر بيه فعلا يا حاج محمد

 

ثم سرح فى وجه محمد وغالى وهما يأكلان  الأيس كريم ، حتى أنه  نظر الى أم ميرفت وهى تأكل الأيس كريم  فى مكانها الأثير بينما هالة القديسين من الشعر الأبيض تحوط وجهها ، ونظر إلى الأطفال الصغار وهم سعداء على الرصيف المقابل ، وحدث نفسه أن هكذا تبنى مدينة الرب فى الملكوت الأعلى ، تبنى بالحب ، فتصبح الأرض قطعة من الملكوت الأعلى اذا ما ساد الحب ، فيتحول الناس الى قديسين والأطفال الى ملائكة وتُجنى بذور الخير فى كل مكان ، كان سينقصه الكثير فى رحلته الروحية اذا لم يأتِ الى شبرا ، فكان يشكر الرب دائماً لأنه أدخله فى تلك التجربة التى لا يستعاذ منها .

-----------

نظر أبونا فيلوباتير فى سعادة الى السيارة (البيجو ) وهى محاطة بالأعلام البيضاء المكتوب (حج مبرور وذنب مغفور ) بخط نسخ جميل :

- هو الحاج محمد جاي النهارده؟

فرد غالى وسيد أبن الحاج محمد معاً:

- إن شاء الله

- هو ينفع آجى معاكم

فعاجله سيد فى فرح :

- يا نهار أبيض ، ده أبويا هيفرح آوى

 

جلسوا جميعا فى السيارة  وصدح صوت ياسين التهامى من المذياع :

 

 بشائر بشائر من عند النبى

يا هدهد يا طاير سلم ع النبى

 لأغنى وأقوله على اللى جرى كله

 عن الحب وذله بحب النبى

فنظر أبونا فيلوباتير إلى الخلف ليجد أبناء الحاج محمد (سيد و حسين) وزوجاتهم وأحفاد الحاج محمد فى سعادة بالغة بينما غالى وأم ميرفت تكاد ضحكاتهم تعلوا على صوت المذياع وهم يصفقون جميعا فى فرح طفولى ، فاكتفى بهز رأسه مع الأنغام فى وقار وسعادة بالغة على وجهه، فقد أشتاق لرؤية محمد ، شهر الآن ، كأن شيئا ناقصا بحى شبرا لا يدرى ما هو

لذا عندما رَآه محمد فى المطار عاجله هو وغالى وهو يرتمى فى أحضانهم حتى انه كاد يقع :

- ربنا يخليكم

أمسك أبونا فيلوباتير برأس الحاج محمد ونظر فى وجهه، كان يبدوا منهكا من أثر الرحلة ولكن كان وجهه مرتاحا كأنما هو طفل حديث الولادة مما زاد شعوره بهذا راسه الخالية من الشعر

- كده سبع حجات المرة الجاية تقدس معانا بقى يا ابو سيد

وقف سيد بكاميرا فوتوغرافية :

- نأخذ صورة

تأبط الحاج محمد زراع ابونا فيلوباتير اليسرى بينما وضع المقدس غالى يده على منكبه من الناحية اليمنى ، لم يطلب منهم سيد ان يبتسموا فضحكاتهم وأعينهم كانت مليئة بسعاده حقيقية ،

 

--------------------------

 

- بس دى سبحة غالية يا حاج محمد

وقف ابونا فيلوباتير وهو يختبر السبحة بأسنانه ا

-متغلاش على معروفك، والله دي كهرمان أصلى ، وبعدين انا جبت منها ٣ بس للناس الغالية ، أمانة ما تقول لحد إنها مني

وعندما غادره أبونا فيلوباتير متوجها الى غالى ، وجده ممسكا بسبحة كهرمان مثل التى معه ، فإبتسم :

- الرب يشكر محبتك دائماً يا حاج محمد

 

----------

أثناء صلاة الأحد وقف أبونا فيلوباتير يلقى بعظته ونظره حائر ، أين غالى !؟ أنهى العظة والصلاة ثم  نزل من على الهيكل وأمسك بيد (فائز ) الكهربائي الذى كان محله الأقرب الى محل غالى ونظر إليه فى ثبات :

 

- فين غالى ؟

كان فائز  يريد أن يهرب ولكن عيناه فضحته من الحزن الكامن بها ،فأراحها بدمعه:

- الحاج محمد تعيش أنت يا أبونا

------------------

 

أثناء ذهاب أبونا فيلوباتير كان يمسك بيده سبحته الكهرمان  التى لا تفارقه منذ أتى بها له الحاج محمد ويعصرها عصراً ، ويتناول حباتها الواحدة تلو الأخرى

 

(يا رب أرحم )

وقف أبونا فيلوباتير على قدميه ما يقرب من ساعتين أمام منزل الحاج محمد ولم تفلح محاولات أبناء الشارع وأصحاب المحلات وحتى أبناء الحاج محمد فى أن يجعلوه يجلس ، كان غالى حائرا يجرى هنا مع من يستخرج تصريح الدفن وهناك مع صاحب سيارة نقل الموتى ،كطفل مدهوش لا يصدق ولم تفلح معه محاولات أحد لإجلاسه أيضاً

كان ما  يدور بخلد أبونا فيلوباتير شيئا لا يستطيع تصديقه هو نفسه ، كان يتخيل الحاج محمد وهو ميت ،جسدا بلا روح ، وعندما تأت الفكرة إلى رأسه لا يستطيع تصديقها ( كيرياليسون)،أهكذا تتركنا يا محمد دون أن تقول (يا رب أرحم ) أكنت تودعنا بالأمس انا وغالى عندما احتضنتنا أثناء ذهابك ( كيرياليسون ) ثم لقد وعدتنا انك سوف تأخذنا لإصطياد الأسماك من الهويس فى منطقة ( المظلات) حتى ان غالى اشترى سنارتين ( يا رب أرحم ) أهكذا يتخفى السرور وأمنى بالفقدان يا شبرا بعد ان أحببتك وأحببت أهلك ( كيرياليسون )

كانت حبات السبحة تعصر فى يد أبونا( فيلوباتير )ولكن مع نزول النعش من منزل محمد وجد نفسه فى حالة لم تحدث له منذ ان صلى صلاة الموتى ووهب نفسه للرب ، شعور لم يحدث له حقاً من قبل سوى عندما سمع بإنتقال أخيه الى الأمجاد السماوية ، كان أبناء الشارع من المسلمين يرفعون أيديهم علامة التوحيد والمسيحيين يرشمون الصليب عندما أنطلق صوت محشرج مختنقا بالدموع :

 

- شد حيلك يا محمد

بكسر الحاء كعادة أهالي الصعيد، لم يدرك أبونا فيلوباتير أنه هو من اطلق تلك الصيحة إلا عندما نظر إليه أهالي شبرا وانطلقت عبراتهم وشعر بهيكل (غالى )الضخم يرتمى  على كتفه وهو يبكى كالأطفال .

---------------

 

بعد شهر وأثناء رياضة أبونا الصباحية وجد حفيد الحاج محمد يجرى فى الصباح الباكر وهو يبكى ويردد:

- عمو غالى ،عمو غالى

فخلع قلب ابونا فيلوباتير وهرع ورائه وما أن وصل الى بيت غالى حتى طالعه ما كان يخشاه ، أم ميرفت فى زى أسود دون نظارتها الطبية حافية القدمين وترتدى على خاصرها حزام من الخيش الثقيل المعقود بينما نساء متشحات بالسواد يحيطون بها والأطفال فى زيي المدرسة يبكون بينما ذويهم يحاولون تهدئتهم :

- عمو غالى لا يا رب

 

--------------

عندما أصر أبونا فيلوباتير أن يركب مع غالى حتى يكمل الرحلة  معه إلى مدفنه بأسيوط   ،جاءته غفوة مفاجئة من رحمة الرب حتى لا يموت حزناً وكمداً ، وجد غالى فى الملكوت الأعلى  فوق السحاب مرتدياً زياً أبيض زاهي ،بينما ملائكة صغار، ما يقرب من العشرين، بيض بأجنحة بيضاء يقذفون إليه بكرة منعدمة الوزن ويردها غالى تارة برأسه وتارة بكتفه بينما يطعمه ملاكاً صغيراً آخر فى فمه من برطمان حلواه المفضلة ( الأمير سكر ) حلوى على شكل موز مكتسبة لونه ورائحته

 

----------------

 

 وقف سيد ينظم البضاعة فى محل المقدس غالى فقد أغلق لأكثر من ستة  أشهر ، الكل حاول إيجاره من أم ميرفت ولكنها أبت ، وفى يوم بعد صلاة الأحد وجد سيد أم ميرفت أمامه فى الفرن :

- تشاركنى فى محل غالى انا بالمحل وانت بالبضاعة واللى يطلع بالنص!؟

كانت مفاجأة لسيد ولكن المفاجأة الحقيقية انه لم يسمع صوت أم ميرفت من قبل!

 جاء الشيخ أحمد وقراء ما تيسر له من القرآن بينما صلى أبونا فيلوباتير وأجرى (قنديلا )لجلب الخير والبركة ، وراعى إنتباهه أن سيد لم يغير شيئا فى المحل ، سورة غالى بشورت  نادى الترسانة وصليبه الخشبى المعلق ، حتى سجادة الصلاة التى كان يحتفظ بها غالى من أجل والده ، وقف الأطفال فى دهشة مستطلعين ماذا يفعل سيد، حتى أبنه كان مندهشا ، ولكن سيد عاجلهم :

- كله يروح الدنيا حر ،أمشوا من هنا

فنظر إليه الجميع فى استطلاع الأطفال ،أم ميرفت من مكانها الأثير فى البلكونة ،الشيخ أحمد، أبونا فيلوباتير :

- كده ، طيب نزلي الخرطوم يا أم ميرفت

فى دقيقة واحدة كان الخرطوم فى يد سيد وهو يرش به الأطفال ويضع من يده على رؤوسهم ،أنطلقت العبرات من عين سيد ،ومن عين أم ميرفت ووجها محاطا بهالة القديسين

ومن الشيخ أحمد

ومن أبونا فيلوباتير

ومن جميع من فى الشارع ولم يتحرك هذا المشهد الا على صوت طبلة ( ابو صلاح الحلو )مؤذنا بوصول عربة الأيس كريم ، فنادى أبونا فيلوباتير على أبن سيد وأعطاه ورقة نقدية كبيرة :

- هات ليك ولصحابك

فتهلل الأطفال حول حفيد الحاج محمد ولكنه أثناء ذهابه وقف كأنما تذكر شيئا فوقف  الأطفال معه ،ونظر الى أعلى وتسأل  بعفوية طفوليه شديدة :

- تآكلى آيس كريم يا أم ميرفت !؟

تمت

 

اقرأ أيضًا: وسام جنيدي يكتب: سبحة كهرمان (1).. إلى شارع شبرا الذى كان

 

التعليقات