"كرماء النسب" في العراق.. حق العيش رغم نظرة المجتمع: أو أن تتخلص من رضيع عند باب مسجد أو دار أيتام

 

يترك رضعٌ لمصيرهم في العراء عند باب مسجد أو دار أيتام. بعضهم جاء إلى الحياة نتيجة علاقة خارج إطار الزواج، آخرون تركوا نتيجة فقر الأسرة. كثيرون شقوا طريقهم في الحياة، وبعضهم ينتظره مصير مجهول. في المقال قصص من العراق.

هنالك من يتمنى إنجاب طفل، في المقابل هناك من يرمي طفلاً لأسباب عدة، أبرزها الفقر. وبعد سلسلة الحروب والإرهاب التي ضربت البلاد منذ عقود، زادت ظاهرة التخلي عن الأطفال في العراق بشكل مخيف. وبين فترة وأخرى نسمع عن طفل مرمي في حاوية للنفايات أو في أماكن لا تخطر على البال، معظم من يُرموّن من حديثي الولادة، ليكبروا من دون معرفة ذويهم، ويطلق عليهم اسم "اللقطاء" أو مجهولي النسب أو كما يشار إليهم منذ نهاية 2013، باسم "كرماء النسب".

يقول مدير مستشفى فاطمة الزهراء التعليمي للنسائية والأطفال في بغداد، د. عباس عويد "يحدث أن يُترك الطفل قرب المستشفى أو تجلب إحدى دوريات الشرطة الطفل لفحصه"، مشيراً إلى وجود حالات تخص "نساء داعشيات معظمهن أجنبيات، بمعدل اليوم الواحد تأتي حالة إلى حالتين، يلدن بالمستشفى ويتم مراقبتهن مع العناية الطبية الكاملة".

ويشير إلى أن "بعض الأسر تسأل إذا كان هناك طفل مجهول النسب، لغرض تبنيه أو امرأة تريد ترك طفلها لأسباب معينة".

 

"تعبت نفسيا عند معرفة الحقيقة"

ك.م (13 عاما)، عيناه مغمورتان بالحزن منذ معرفته الحقيقة، ويقول وهو يبكي: "منذ معرفتي أن المرأة التي ربتني والرجل الذي كان يدللني كثيرا ليسا والدي تعبت نفسيا وذهبت للمستشفى".

 

يقول ك.م: "المرأة التي ربتني مثل ابنها وحاربت الجميع من أجلي لن أتركها ولا تهمني نظرة المجتمع"، يستمر بالبكاء ويرفع رأسه إلى السماء داعيا بحرقة "كل عائلة رمت طفلها بالشارع حسبي الله ونعم الوكيل بهم".

قصته قد بدأت في شهر يوليو، تحت أشعة الشمس الحارة بمدينة الموصل، حين عثر رجل على طفل حديث الولادة. كان ك.م مرمياً عند باب الجامع، فقرر أن يأخذه الرجل ليربيه مع زوجته أسماء (اسم مستعار)، بعد عشرين سنة من عدم الإنجاب. ولم يتأخر الرجل كثيراً، فقد دبر له المستمسكات الرسمية مع بيان ولادة.

تقول أسماء (39 عاما): "أخذت الطفل وعمره يوم واحد وذهبت به إلى المستشفى لأنه كان مختنقا ليخرج الطبيب من حلقه قطعة قطن، ربما تتصور أسرته الحقيقية أنه ميت الآن".

وبعد دخول "داعش" لمدينة الموصل توفي زوج أسماء، فهربت بصحبة ابنها ك.م إلى سوريا وتركيا، من ثم عادت إلى بغداد، تنتقل من مخيم إلى آخر لتستقر حاليا مع عائلتها بإحدى المخيمات للنازحين.

تقول أسماء: "حالتنا صعبة، لا كهرباء ولا ماء وليس لدي راتب لأصرف على نفسي وابني الذي لا يستطيع الدراسة ونعيش حاليا على الصدقات والتبرعات".

تتابع كلامها: "ك.م لم يكن يعرف الحقيقة لكن في إحدى الأيام طلب رجل يدي للزواج ورفضت لأنه لا يريده، فتشاجرت أختي معي وقالت هذا الطفل سيضيّع مستقبلك اتركيه أو سأخبره بالحقيقة".

بعمر التاسعة عرف ك.م الحقيقة المرة من أخت أسماء، ليشعر وكأنه في حلم يريد الاستيقاظ منه بسرعة. تقول أسماء: "أخي الكبير يعتبره ابن نزوة وطلب مني أن أضعه بالميتم وعائلة زوجي تريد إخراجه من النسب حتى لا يدخل في الميراث"، تضيف "عندما وجدني ك.م باكية طلب مني أن أضعه في الميتم وزيارته بين فترة وأخرى لكني لن أفعل ذلك أبدا".

 

إجراء العملية ستخفي الحقيقة

منذ نحو سنة وجد أحد مواطني مدينة بعقوبة، طفلة رضيعة لا يتجاوز عمرها اليومين مرمية في العراء تحت أشعة الشمس الحارة في شهر أغسطس، ليذهب بها إلى إحدى المستشفيات لتلقي العلاج.

هذه القضية أثارت الرأي العام بوقتها وخلقت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا بعد تعرض الطفلة إلى حشرات ضارة وقوارض أكلت خمسة من أصابع يدها اليمنى وأصبعين من يدها اليسرى، لبقائها في العراء لمدة يومين.

الطفلة بقيت بالمستشفى لمدة شهرين تتلقى العلاج والعناية الطبية الكاملة وفي أثناء ذلك جاءت طلبات عدة للمحكمة والمستشفى من عائلات داخل وخارج العراق لتبنيها، إلى أن تبنتها الممرضة التي رافقتها منذ مجيئها المستشفى وأصبحت بحالة صحية جيدة.

التعليقات