سيد درويش .. فنان الشعب و ملحن النشيد الوطني

 

نشأ فنان الشعب سيد درويش الذى أفنى حياته من أجل البسطاء والرقى بحياتهم، فى الاسكندرية واحدة من أشهر المدن الحاضنة للفنون حول العالم ، لم يعين فى منصب حكومى ، ولم يأخذ بيده صاحب سلطة ، طوع فنه لاجل بلده وشعبها , فلم يغن للسلطة يوما ، ولم يهلل لشعارات كاذبة ، ولم يكتف بالطبل والزمر كباقى مطربين عصره. اقتبس من أقوال الزعيم مصطفى كامل بعض عباراته وجعل منها مطلعا للنشيد الوطني "بلادي بلادي بلادي  لك حبي وفؤادي"

 

ولد سيد درويش في الإسكندرية في 17 مارس , إلتحق وهو في الخامسة من عمره بأحد الكتاتيب ليتلقى العلم ويحفظ القرآن التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية عام 1905 , و بعد وفاة والده وهو في السابعة من عمره، قامت والدته بإلحاقه بأحد المدارس، وهنا بدأت تتضح موهبة درويش الفنية من خلال مدرسته وحصة الموسيقى بالاخص.

 

انطلق سيد درويش من المعهد الديني الذي حفظ فيه القرآن إلي رحاب الفن والعمل فى الغناء بالمقاهى , بعدما اعتاد الإنشاد مع أصحابه أدوار الشيخ سلامة حجازي والشيخ حسن الأزهري٬ وكان من اللافت في تلك الفترة انتشار جوقات المشايخ الأزهريين وحرصهم الشديد علي ارتداء الزي الأزهري العمة والقفطان وهم يؤدون الدور أمام جمهور الموالد والمناسبات.

 

وهو فى سن السادسة عشر صار مسؤولا عن عائلة فقد تزوج سيد درويش مبكرا وإضطر أن يشتغل كعامل بناء , وكان خلال العمل يرفع صوته بالغناء, مثيرا إعجاب العمال وأصحاب العمل وتصادف وجود الأخوين أمين وسليم عطا الله، وهما من أشهر المشتغلين بالفن، في مقهى قريب من الموقع الذي كان يعمل به سيد درويش، ولما كان من صوت درويش من عذوبة وجمال , عرضا عليه السفر إلي لبنان والعمل في فرقتهما المسرحية عام 1909 لكنه سرعان ما عاد إلي الإسكندرية ليمارس أعمال عادية لا علاقة لها بالفن أو الغناء٬ وفي عام 1912 يسافر سيد درويش مرة أخرى إلي لبنان وهناك يتعرف علي الشيخ "عثمان الموصلي"، ويتعلم علي يديه فن الموشحات.

 

ومن خلال رحلته الى الشام , أتقن فيها أصول العزف على العود وكتابة النوتة الموسيقية، فبدأت موهبته الموسيقية فى الإنطلاق ، و لحن أول أدواره "يا فؤادي ليه بتعشقط . في عام 1917 انتقل سيد درويش إلى القاهرة، ومنذ ذلك سطع نجمه وصار إنتاجه غزيرا، فقام بالتلحين لكافة الفرق المسرحية في عماد الدين أمثال فرقة نجيب الريحاني، جورج أبيض وعلي الكسار، حتى قامت ثورة 1919 فغنى "قوم يا مصري".

 

وكانت أول أغنية لحنها كانت" زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة " وكانت مناسبة تأليفها أن امرأة يحبها قالت له هذه العبارة ابقى زورنا يا شيخ سيد ولو كل سنة مرة.

 

وفى ميدان التمثيل قدم سيد درويش ألحان منها أوبريت" شهرزاد" وقد ظهرت هذه الأوبريت للمرة الأولى أواخر عام 1920 وأوائل العام 1921 وكانت بمثابة بدء انقلاب جديد في عالم الموسيقى العربية والألحان المسرحية كما لحن أوبريت "العشرة الطيبة " ألف هذه الأوبريت محمد تيمور ونظم أغانيها بديع خيري .

 

كما قام سيد درويش بتلحين الأغانى لفرقة نجيب الريحانى التمثيلية فلحن أوبريت " البروكة " ومعناها الشعر المستعار الذي يضعه الممثلون على رؤوسهم والرواية معربة عن رواية  أوبرا لاما سكوت لأروان كما لحن أوبريت "كليوباترة وانطونيو" التى قدمها الأستاذان سليم نخلة ويونس القاضي للسيدة منيرة المهدية التي قدمتها بدورها لسيد درويش لوضع موسيقاها ولكنه لم يلحن منها إلا الفصل الأول وقد حاول إتمام تلحينها في فصليها الثاني والثالث الأستاذ محمد عبد الوهاب.

 

كما لحن لفرقة علي الكسار اوبرتات نذكر منها "راحت عليك " , "أم أربعة وأربعين " ,"البربري في الجيش" و"الهلال "و لفرقة أولاد عكاشة  اوبرتات منها " الدرة اليتيمة" , "هدى" و"عبد الرحمن الناصر".

 

وكان يقول سيد درويش عندما يسأله أحد عن حياته فى الموسيقى " أن الموسيقى لغة عالمية ونحن نخطئ عندما نحاول أن نصبغها بصبغة محلية يجب أن يستمع الرجل اليوناني والرجل الفرنسي والرجل الذي يعيش في غابات أواسط أفريقيا إلى أي موسيقى عالمية فيفهم الموضوع الموسيقي ويتصور معانيه ويدرك ألغازه لذلك فقد قررت أن ألحن البروكة على هذا الأساس وسأعطيها الجو الذي يناسب وضعها والذي رسمه لها المؤلف سأضع لها موسيقى يفهمها العالم كله".

 

توفى سيد درويش يوم 10 سبتمبر من عام 1923 تاركا إرثا فنيا كبيرا من موسيقى وألحان وموشحات وأغانى, مازالت تفخر به اﻷجيال حتى الأن  مرددين قول السنباطى ,أحد أبرز الموسيقيين العرب، عنه "أن كل ما نحن فيه من فن أثر من آثار سيد درويش " .

التعليقات