"ذكرى رحيل الخال" الشاعر الذي حلم قبل موته بدقيقة يرجع فيها الدم لكل حقيقة .. ولعن سجون الظالم و السجان

 

إذا جاك الموت يا وليدي موت على طول، اللي اتخطفوا فضلوا أحباب، صاحيين في القلب كأن محدش غاب، واللي ماتوا حتة حتة ونشفوا وهم حيين حتى سلام عليكم مش بتعدي من بره الأعتاب"، وبالفعل استجاب "الخال" لنصيحة العمة "يامنه" ورحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم منذ عامين، غاب بجسده ولكن بقيت  كلماته  عالقة في الأذهان، وأشعاره شاهدة على حلمه بوطن يثور لأمعاء فقير جائع، أو مظلوم خلف قضبان سجنون لعنها  الشاعر الراحل في قصائده.

 

ولد الأبنودي في صعيد مصر بمحافظة قنا بقرية أبنود عام 1939 وتفوق على كل شعراء العامية حتى صار هو شاعر العامية الأول بلا منازع في راي كثيرين من صناع الشعر في مصر و الوطن العربي، وكتب لكل المصريين في جميع المناسبات فكتب للشهيد، والوطن، والحب، والثورة، والحزن، والسعادة، والصعيد، وأهل بحري والعاصمة، فلا تكاد تمر مناسبة إلا ونجد للأبنودي ما يتناسب معها مما كتبه من أشعاره وقالها بصوته.

" ياللى سهرتي الليالى يونّسِك صوت، متونسة بحس مين يا مصر في غيابي" أكيد متونسة بحسك يا عبد الرحمن حتى بعد ما غبت وبأشعارك الخالدة وغنواتك الرائعة التي مست قلوبنا جميعًا، غنى له كبار المطربين من أمثال عبد الحليم حافظ وشادية ووردة ومحمد رشدي محمد منير وهاني شاكر  وكتب أغاني العديد من المسلسلات التلفزيزنية مثل ذئاب الجبل.

 

وكان الأبنودي طوال مسيرته الشعرية ملازمًا للمصريين في كل مناسباتهم ففي نكسة 67 كتب رائعته "عدى النهار" التي غناها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، والتي عبر فيها عن أمله في أن يأتي نهار جديد ومعه انتصار لشعب يأس من الظلم والهزيمة.

 

وكان للقضية الفلسطينية جزءًا كبير من أشعاره والتي كانت وسيلته في مقاومة الاحتلال مثلما يقاوم أطفال فلسطين العدو بالحجارة " أنا بادي وبيدي حجارة وجهنم أولها شرارة الوعي اللي كأنه بشارة من الحارة الفلسطينية أنا ثورة وسبنالكو الدولة بتقولي لا قوة ولا حول؟ أهو لينا شرف المحاولة"، تزوج الخال من المذيعة نهال كمال وأنجب منها ابنتيه آية ونور .

 

عمل الصعيدي الأبنودي، على توثيق السيرة الهلالية فى عدّة مجلّدات، وفى حلقات تليفزيونية عديدة قدّم خلالها كبار رواة السيرة فى الصعيد، أهمهم سيد الضوي، وجابر أبوحسين، كما كان مرجعًا لغويًا للكثير من المسلسلات والأفلام فى اللهجة الصعيدية، كما أصدر كتاباً بعنوان"أيامي الحلوة"، الذي نشر في حلقات منفصلة بملحق "أيامنا الحلوة" في جريدة الأهرام، ثم جمع في كتاب واحد يحكي قصصًا وأحداثًا مختلفة من حياته في صعيد مصر.

 

وعرف عن الأبنودي معارضته لسياسات عبد الناصر ونظامه وسياساته ودفع ثمنًا لذلك سنوات من عمره قضاها خلف القضبان ولكن تغير الموقف تمامًا بعد وفاة عبد الناصر وعبر عن ذلك بقوله "بعد ما قلبت في وشوش اللي حوالينا، أدركت أنني لم أعط للرجل حقه"، وقال عنه في قصيدة أخرى: "مش ناصري ولا كنت في يوم بالذات في زمنه وفي حينه، لكن العفن ساد وفساد القوم نساني حتى زنازينه، إزاي ينسينا الحاضر طعم الأصالة اللي في صوته، يعيش جمال عبد الناصر، يعيش حتى في موته".

 

وفي ثورة 25 يناير كان الأبنودي من الذين شاركوا فيها وكتب قصيدة "الميدان" عشية موقعة الجمل وتوقف "الخال" عن الكتابة لفترة مؤقتة وذلك خلال أحداث "ماسبيرو" التي وقعت في في أكتوبر عام 2011 ، ثم واصل الكتابة مرة أخرى من خلال قصيدة "ضحكة المساجين" التي كتبها للناشط السياسي علاء عبد الفتاح، وكان الأبنودي من الذين عارضوا نظام الرئيس المعزول محمد مرسي وكان من ضمن الموقعين على استمارة تمرد لسحب الثقة منه.

وكتب الأبنودي قصيدة "أحزاني العادية" عقب ثورة يناير، لعن فيها الظلم و الظالمين، وانتقد سيطرة الشرطة على الأوضاع. و قال فيها:

يا عم الضابط أنت كداب

واللى باعتك كداب

مش بالذل حاشوفكم غير

ولا استرجى منكم خير

أنتو كلاب الحاكم

وإحنا الطير

أنتم التوقيف واحنا السير

أنتو لصوص القوت

وإحنا بنبنى بيوت

إحنا الصوت ساعه ما تحبوا الدنيا سكوت

وأصيب الخال بأزمة صحية بعد تعرضه لمشاكل في الرئة وعندما اقترب من الشفاء، أصيب بجلطة في ساقه اليمنى وهو الأمر الذي منعه من الخروج من مستشفى الجلاء العسكري وبقي بها إلا أن رحل عن عالمنا في نفس شهر ميلاده، فأبريل بالنسبة للأبنودي هو بداية الحياة ونهايتها، وكان خائفًا من أن يموت قبل أن يرى الحق يعود لأصحابه وكتب في قصيدة خايف أموت: " تتعسني فكرة إني هموت قبل ما أشوف لو حتى دقيقة رجوع الدم لكل حقيقة".

التعليقات