غربلة| محمد الشحات يكتب: لن أعيش في جلباب أبي

 
 
كانت الدراما ولاتزال هي مرآة المجتمع التي تعكس أحواله وقيمه وثقافته وكانت إحدي أدوات السلطة الناعمة لتمرير رسائلها الي مواطينها بطريقة غير مباشرة  لتوجيه الرأي لما تريده أن يرسخ في الوجدان والعقل الباطن لتشكيل رأي عام يكون مع توجوهتها سياسية كانت أو اقتصادية. 
ولو تأملنا الظروف المحيطةوقت عرض مسلسل لن أعيش في جلباب أبي سنجد أن العصر كان عصر تحول في سياسية الدولة الاقتصادية فمن رأسمالية الدولة اتجهت للاقتصاد الحر اتباعا لتعليمات صندوق النقد الدولي، لذا اقترضت منه لسد العجز في الموازنة عام ٩١ والذي أصبح يسيطير عليه الليبراليون الجدد او مدرسة شيكاجو نسبة الي جامعة شياكجو، التي أعادت فكرة اليد الخفية  للواجه بعد أن أزاحتها أفكار ماكينز الاقتصادية طيلة فترة الخمسينات والستينات.
 كانت اللييبراليةالجديدة تؤمن بأن السوق ينظم نفسه  من خلال الدورة النقدية وأن النمو الاقتصادي هو الهدف وان تدخل الدولة بالانفاق الاجتماعي ودعم الفئات الفقيرة هو عرقلة بهذا النمو الذي سيحسن من أوضاع تلك الفىات الفقيرة بتساقط ثماره عليهم. اتبعت الدولة التعليمات الواجب اتباعها لتلحق في ركب الهيمنة الأمريكية تخلت عن القطاع العام وبيعت المصانع والشركات بأبخس الاثمان وقدمت قروض ميسرة للمستثمرين واعفاءات ضريبة تصل لمدة خمس سنوات وبيعت أراضي الدولة بأثمان بخسة.
لم يكن تحول نتج عنه اقتصاد حر تنافسي قائم علي الانتاج، إنما كانت تلك الاجراءات تصب في مصلحة الدوائر المقربة من السلطة وأصحاب التوكيلات الأجنبية دمرت صناعات عريقة مثل الغزل والنسيج وصناعات كنا قد قطعنا فيها شوطا كبيرا كصناعة الالكترونيات والأحهزة المنزلية  والسيارات ومبردات الهواء. كانت شركة ايديال وكولدير تسيطر علي السوق العربي حتي أوائل الثمانينات حين تخلت الدولة عن الصناعة لصالح أصحاب التوكيلات العالمية التي حصل عليهااصحابها بقروض ميسرة من البنوك المصرية.
ومع هذا التحول كان لابد للدولة أن تستخدم أدواتها للترويج له في الصحافة والتلفزيون والدراما بأنه السبيل الوحيد للرخاء وان جمع الثروة هو نموذج النجاح. لم يعد نموذج النجاح التحصيل العلمي للحاق بوظائف الدولة صار الموظفين مجرد كسالي يثقلون كاهل الدولة وأصبح نموذج النجاح هم رجال الأعمال العصاميين الذين بنوا ثروتهم بتسيهلات وقروض ميسرة  والقرب من دوائر السلطة. 
قدمت الدراما أعمالا تمجد  الرأسماليين العصامين مثل الحاج عبد الغفور البرعي الرجل الأمي الذي كان صبيا لدي الحاج ابراهيم سردينة والذي كافح وأصبح من أكبر تجار الخردة في وكالة البلح ليصير بعد ذلك نجاحه نقمة علي بناته الذين فشلت زيجاتهن لطمع ازواجهن  في ثروة أبيهن ويصبح عقدة للابن الأكبر عبد الوهاب الذي كان يبحث عن تحقيق ذاته بعيدا عن نجاح الأب وينأي عن مصيره المحتوم بانه مجرد وارث لهذا لنجاح ابيه
لكن الدولة لم تكن تنتهج التغيير بشكل جوهري كان تغيير جوهريا للحفاظ  علي جوهر السلطة الأبوية.
فرأس السلطة ذلك الموظف التكنوقراطي مبارك الذي اصبح نائب لرئيس الجمهورية ثم رئيس بعد حادثة اغتيال الرئيس السابق هذا الذي صعد الي أعلي المناصب القيادية نتيجة لتفانيه في عمله وطاعته لمرؤوسيه ثم أصبح رئيسا بعد الستين، لم يكن ليروج نفسه كثائر شاب ضد الرأسمالية والاستعمار مثل سابقه عبد الناصر أو كسياسي محنك وهو لم يعرف عنه اي نشاط سياسي في شبابه مثل سابقه السادات. كان الأنسب له أن يكون الأب الحكيم الذي يقود رعاياه لبر الأمان ويحميهم من الانحراف.
 كانت الدراما في فترة الثمانينات والتسعينات ترتكز علي تيمة واحدة الأب  أو رب العائلة المثالي الذي يحمي ابنائه من المتغيرات التي ستعصف بهم ان عصوه ويقوم سلوكهم فالشعب مثل أبناء ونيس او أسرة ابو علا البشري أو أبناء عبد الحميد، سيضيع ويتشرذم وتنهار أخلاقه إن عصوا وخرجوا عن طوع الأب المثالي الحكيم.
وليس من حقه أن يعتمد علي نفسه لينجح ويحقق ذاته ولا لكان مصيره مثل عبد الوهاب التخبط والتيه عندما أراد أن يعيش خارج جلباب أبيه.
 
 

 

التعليقات