غربلة| محمود المفتش يكتب: طابور الصباح

كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحاً بقليل عندما تم إخراجنا من الفصول لنقف فى طابور الصباح للمرة ثانية في نفس اليوم استقبالاً للدكتور أحمد فتحى سرور وزير التعليم حينها الذي يزور المدرسة، ما هي إلا دقائق وبدأ الطالب أحمد في تلاوة آيات من الذكر الحكيم فلقد كان هو المفضل لمسئولي الإذاعة المدرسية بسبب إتقانه لأسلوب عبد الباسط عبد الصمد في القراءة ولقد ختم أحمد فقرته الإقتتاحية بقوله تعالى "علم الإنسان ما لم يعلم".

نالت فقرة الإذاعة الإفتتاحية الثابتة دائماً استحسان وزير التعليم الذي طلب مصافحة الطالب والثناء عليه لتقوم مدام إيفون التي كانت لها هيبة بين الجميع بإمساك يد الطالب واصطحابه إلى حيث يجلس الوزير لعلها تبث إليه شيء من الطمأنينة، فهو بصحبتها هي المرأة القوية القادرة على العبور به بسلام من هذا الموقف المفاجئ الذي لم يستعد له، وظلت مهمة قراءة القرآن صباحاً محجوزة لأحمد مقدماً والتي عزز سلطته عليه بعدها بسنتين تقريباً عندما أحضر عوده ووقف مسنداً قدم على كرسى ليغنى نشيد دينى عن جمال الكون ويمدح خالقه بينما وقف جميع الطلبة في سكون بسبب هذا المشهد الذي لم يألفوه بعد أن حرموا من الغناء عموماً بسبب استبدال حصة الموسيقى بمواد أخرى بسبب طول المناهج وصعوبتها.

سنوات عدة وأحمد هو صاحب الحق الحصري للتلاوة إلى أن أتت بداية التسعينات بوافد جديد لا يزال في سنواته الأولى يقرأ بأسلوب أهل الخليج السريع بعض الشيء في رتمه وزاد عليه التلميذ الصغير شيء من العاطفة عندما كان يبكي في خواتيم فقرته وبعدها مما أثار سخرية الكثير من الطلبة خاصة الكبار منهم من المشهد برمته حيث أعتبروا أن مثل هذا الصغير لا يعي جيداً معانى وجلال الكلمات التي يتلوها حتى يبكي بهذه الحرقة مما أثار حفيظة البعض الآخر الذين قاموا بنهر الفريق الأول عن سخريتهم متعللين بأن هذا الصغير على الأقل يحفظ شيئاً من القرآن وأنتم لا تحفظون شيء!

انتهت مقدمات فترة الثمانينات وبداية التسعينات وظهرت نتائجها سريعاً في بداية الألفية بجيل من الشباب قرر القيام بمهمة الدعوة إلى الله حتى ولو كان مجال دراسته بعيد كلياً عن الدين ولكن هذا لا يمنع بأن يضع لمسة إسلامية على مظهره وأسلوب حديثه مع الآخرين وأصبح يقبل على إلحاق أبنائه بمدارس لها مظهر إسلامى تتماشى مع الذوق العام السائد، مدارس تخرج التلاميذ من فصولهم ليس للوقوف فى طابور لاستقبال أحد المسؤولين ولكن للوقوف في صفوف استقبالاً للقبلة لأداء صلاة الظهر بينما حل محل مدام إيفون شرطة مدرسية تجوب الفصول تبلغ المشرفين عن الطلبة المتخلفين عن أداء الصلاة، كل هذا تحت سمع وبصر وزير التعليم الذي لا يرى أن في هذه الممارسات ترسيخ لثقافة التمييز في نفوس جيل جديد ننتظره بعد سنوات قليلة يطبق ما يتعلمه الآن مستقبلاً في مجتمع يعاني أصلاً من التمييز وعدم المساواة!

التعليقات