غربلة| هاجر جمادي تكتب: لمن لا يستطيع تقبل الآخر

عزيزي المسلم الذي لا يستطيع تقبّل الآخر المختلف عنه فكريا ودينيا ، سأشرح لك بعض النقاط العامة ، وحاول التفكير خارج الصندوق لوهلة واحدة ولن تخسر شيئا :
عندما لا تستطيع تحمّل شخص مختلف عنك دينيا فهذا أمر خطير جدا ، ويعكس نفسية غير سوية مهما أعطيت أعذارا لذلك ، ولا يمكنك أن تقف حارسا على عقول الآخرين وقياس إيمانهم ، لأنّ هذا مستحيل ويصنع لك مجتمعا منافقا ، ويعني أنك تريد متدينين ظاهريا فقط وليس مؤمنين حقيقيين ، أنت هكذا تقول لهم أكفروا كما تشاؤون لكن لا تجهروا بذلك أمامي ، هذا إرهاب وقمع وليست تصرفات فرد سليم في كامل قواه العقلية ، لأن الناس لا يمكن لهم إبقاء أفكارهم حبيسة عقولهم ، بالعكس الشخص السوي هو من يتساءل ويفكر ويشك ، هو من يحاول البحث عن شخصيته ووجوده وليس الاكتفاء فقط بما ورثه عن أسلافه ، حتى لو كنت لا تريد البحث والتساؤل دع غيرك يفعل ذلك ، هو حر طالما لم يأتِ إلى إجبارك على البحث ، هو حر أن لا يصوم ولا يصلي ولا يعبد وحر أن يجهر بذلك ، حتى لو كان من أصول مسلمة وخرج عن الدين ، هو حر ليفعل ما يريد وليجهر بأفكاره كذلك ، أنت لست سفيرا لله وناطقا رسميا باسمه ، أنت هكذا تهين الله وتعتبره عاجزا عن حماية دينه الذي أنزله على البشر ، وتقول بتصرفك هذا أنّ لله ليس قادرًا على منع هذا الشخص من الكفر ، وأنّ الله ينتظرك أنت حتى تقوم بهذا العمل ، لا يمكنك البقاء بهذا الفكر عزيزي المسلم ولا أحد يحارب دينك سوى جهلك وتعصبك ، لأنك الوحيد من بين كل البشر المتعصب لدينه والمتطرف لأفكاره ، ليس لأن دينك هو الصحيح كما تعتقد فهذا الأمر نسبي ليس قطعي ، بل لأنك لا تملك شيئا في هذا الدنيا سوى الدين ، أنت تعيش فراغ فكري وعلمي وحضاري وثقافي وفي كل المجالات ، ولم تعد تجد نفسك بين الشعوب فتحاول أن تثبث وجودك ولو بالأوهام ، بسبب عقدة النقص التي تشكلت في لاوعيك من إنجازات شعوب تختلف عنك في الدين ، وعوض أن تتدارك ذلك بالعمل على اللحاق بهم تصر على التقوقع والتديّن ، وتعزي نفسك أن الدنيا لهم والآخرة لك ، ثم تستغرب لماذا هم متقدمون وأنت متخلف ..!


يجب أن تعلم عزيزي المسلم أن كل المختلفين عنك يعتبرون دينهم هو الصحيح ، فاليهودي يعتبر انه الأصح والبقية خطأ ونفس الشيء المسيحي والبوذي والهندوسي ومن يعبد الشجر والحجر ، تماما مثلما تعتبر أنت دينك هو الصحيح ودينهم هو الخاطيء ، فقط الفرق أنهم متحضرون في النقاش ويفصلون معتقدهم عن تعاملاتهم ، وأنت لا تفعل ذلك لأنهم يمتلكون مقومات أخرى وأنت لا تملك سوى الدين ، فهل من المعقول أن تبقى هكذا تصارع من أجل صدفة جغرافية فقط ، أليس من الغباء الاستماتة من أجل أفكار ورثتها ولم تخترها ولو ولدت في مكان آخر لاعتنقت غيرها ، على الأقل إبحث وإقرأ وطالع كتبا للثقافات والأديان الأخرى، وحتى كتب الالحاد واللادينية وكل المجالات من باب المعرفة لا غير ، لن تخسر شيئا لو كنت واثقا فعلا من أفكارك ، لماذا تخاف المطالعة والاكتشاف وكيف تدافع عن فكرة ، وأن تزعم أنها الأحسن بين الأفكار وأنت لم تقرأ الأفكار الأخرى حتى تقارن بينها كيف ؟!!، على الأقل إذا تعرفت على الأفكار الأخرى ولم تقتنع بها ستعود لفكرتك بشكل أقوى ، لأنك هذه المرة ستدافع عن فكرتك بعد اختيارك لها عن اقتناع ، وشتان بين الاختيار عن قناعة وبين الوراثة عن تلقين .


عموما أنت حر باكتفاءك بأفكارك وعدم البحث والمطالعة والانفتاح على الأفكار الأخرى ، لكن دع غيرك يفعل هذا لماذا يزعجك الأمر ، لماذا يزعجك ترك غيرك لأفكارك ، لماذا تريد للجميع أن يشبهك أو تهاجمه وأحيانا تقتله ، لماذا أنت خائف من أن ينبش غيرك في ما خفي عنك ، لماذا تخاف على فكرتك لهذه الدرجة وتعمل حارسا عليها طالما أنت مقتنع بقوتها ، لماذا لازلت تسمع لشيوخ الجهل الذين يدافعون عن تحكمهم فيك كالقطيع ، ولا يدافعون عن الدين لأن الله نفسه قال من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فعندما يوهمونك أنه عليك الدفاع عن الدين ، فهو في الحقيقية دفاع عنهم وعن موروث أسلافهم للتحكم في رقاب الناس ، لا أحد يطالبك بترك دينك فقط اترك شيوخ الدّجل وأئمة الموروث لأنهم سيدمرون عقلك ، يكفي ما وصلت إليه من جهل وتخلف بسببهم وأصبحت مسخرة الأمم بأفكارهم ، أنظر من حولك في الشعوب المتقدمة شلة قليلة من العلماء والفلاسفة والمفكرين غيرت حالهم وجعلتهم يحكمون البشرية ، دون الحاجة لرجل دين أو أي بائع للوهم والهراء ، وهاهي شعوبهم تبتكر وتعمل وتجدّ وتعيش بسلام ، وعندما تحتاج للروحانيات تذهب لممارسة طقوسها بينها وبين ربها ، حتى أنت تبني مساجدك وتمارس دينك على أرضها بكل حرية ، لأنها أدركت أنّ هذا الصراع سخيف يعبّر عن الجهل والغوغائية، لذلك دع غيرك يؤمن بما يشاء ويقول ما يشاء ووقتما يشاء ، لأن الزمن تغير الآن وانفتح العالم على بعضه والحداثة ليست من إنتاجنا ، ولا يتحكم فيها شيوخ الدين ولن يستطيعوا منعها أو عزل الشعوب عنها ، الأمر لم يعد تحت السيطرة مثلما كانوا ينفردون بالمفكرين في الماضي ، وكفروهم وزندقوهم وخسروا علومهم وفكرهم وها هي النتيجة المدمرة نعيشها الآن ، ولا يمكنهم منع وصول الأفكار المختلفة لشعوبنا الآن مهما حاولوا ، فالوضع تغير ولم يعد سيف الردة ممكنا ، وليس لديك حل سوى مواجهة الحجة بالحجة والبرهان ، ولا تضيع وقتك بتعطيل الثورة الفكرية وتأجيلها قليلا ، لأنها ستحدث سواءا اليوم أو غدا أو بعد مئة سنة ، إنها سيرورة الحياة التي مرت بها كل الشعوب .

 

++ غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 

التعليقات