غربلة| أدهم نور يكتب: دعمتني امرأة

لازلت أذكر تلك الفترة المبكرة من حياتي كما لو كانت بالأمس ، كنت طفلاً في بدايات المرحلة الإبتدائية وكانت أسرتنا الصغيرة المكونه من والدي ووالدتي وشقيقتي الكبرى وأنا قد سافرت إلى إحدى الدول العربية لظروف العمل ، وكانا قد إصطحبنا معنا من مصر مساعدة لوالدتي في أعمال المنزل ولرعايتنا أنا وشقيقتي خلال فترة عمل الوالدين الصباحية ،

وشاءت الظروف في إحدى الأجازات التي كنا نقضيها داخل مصر أن قررت تلك المساعدة المنزلية الزواج من شاب تقدم لخطبتها وعدنا بعدها لتلك الدولة العربية عقب انتهاء الأجازة دون تلك الفتاة ، وأذكر جيداً أن قامت أمي بعقد اجتماع عائلي لكل أفراد الأسرة استعرضت فيه الوضع الراهن وابلغتنا بانه في غياب المساعدة المنزلية سيكون علينا جميعاً أن نتبادل الأعباء المنزلية بالكامل خاصة واننا كنا نسكن بمنزل مستقل "فيلا" من ثلاثة أدوار كبير المساحة وتحوطه حديقة متوسطة الحجم وهو ما يستلزم مجهوداً كبيراً للاعتناء به ،

وعليه قامت أمي بعمل ما يشبه الجدول الاسبوعي الذي كان نصيب كل فرد منا فيه محدد بالتبادل فمثلا يكون هناك يوم أقوم انا فيه بغسل الأطباق وتجفيفها ورصها في أماكنها وطي الملابس المغسولة وترتيبها بينما تقوم شقيقتي بتنظيف الغبار والترتيب العام على أن يكون ذلك بالتبادل بيني وبينها بشكل يومي ، بينما نعتني جميعاً بالحديقة بمساعدة الوالد طبعا ويكون هناك يوم اسبوعي للتنظيف الشامل نساعد فيه بعضنا بعضا في كل شيء ، ولازلت أذكر تلك الأيام تحديداً وصوت العندليب الأسمر يشدو باغنيتي المفضلة "قارئة الفنجان" التي كنت استمع اليها خلال رحلة التنظيف الأسبوعية كأحد الطقوس حتى تحولت إلى انعكاس شرطي تذكرني بهذا اليوم كلما استمعت إليها

كان ذلك هو درسي الأول العملي البسيط للغاية حول مفهوم المساواة والذي أعطتني إياه السيدة الفاضلة أمي في مرحلة مبكرة من العمر ،

تمر الأيام والسنين لتقرر الأسرة العودة للوطن والاستقرار بمصر ، وكنت وقتها بالمرحلة الإعدادية وكان هذا موعدي مع الدرس الثاني لمفهوم المساواة ، كنت آنذاك اذهب لمنزل زميل دراسة للحصول على درس خاص مع أحد المعلمين وكان لهذا الزميل أخت تصغره بعام واحد وكنت الاحظ أن زميلي هذا لا يفعل أي شيء مما أفعله بل على العكس فقد كان يطلب من شقيقته هذه كل شيء من أول ترتيب غرفته وتجهيز مكان الدرس وحتى احضار كوب ماء له وهو يجلس معي دون أن تبدي والدته أو شقيقته اي اعتراض من أي نوع بل بدا الأمر مسلماً به تماماً ، وعندما عدت كنت قد عقدت العزم على أن استفيد من مكانتي كذكر داخل أسرتي الصغيرة فأخذت أطلب من شقيقتي تحضير وجبة العشاء بل وغسل الصحون من بعدي ، لأجد والدتي تطلب مني غرفتها للحديث وتسألني عن سبب تغير سلوكي هذا لأقص عليها كل ما شاهدته بمنزل صديقي وكيف أنه كذكر ليس عليه أي واجبات من أي نوع وأن شقيقته هي التي تقوم بكل الأعمال المنزلية له ولنفسها أيضاً ، وكان هذا موعدي مع الدرس الثاني لمفهوم المساواة ، فبعد أن أنصتت إلي أمي حتى النهاية أدارت معي نقاشاً كان خلاصته كيف أن الذكورة والأنوثة لا علاقة لها على الإطلاق بمفهوم الواجب تجاه الأسرة والإحساس بالمسئولية وكيف أن أبي ذاته لا يطلب من أمي كل صغيرة وكبيرة بل يساعد معها بكل شيء وأي شيء داخل وخارج المنزل وكيف أن المنزل يدار بالإرادة المشتركة لكل أطرافه بما فيها أنا وشقيقتي وأن كوني ذكراً لا يميزني في شيء وكونها أنثى لا يعيبها في شيء فكلانا بشر وكلانا لا فضل لنا في ذلك.

تمر السنون وخلال فترة المراهقة كان الدرس الثالث وذلك حينما أبديت إعتراضاً على الموعد المحدد لعودتي للمنزل خلال الأجازة وكان الحادية عشر ليلاً في حين أن أصدقائي كانوا يعودون بعد منتصف الليل ، فكان رد أمي أن هذا الموعد مناسب لسني ولأنني وشقيقتي نعود من النادي في نفس الموعد ولما عقبت على ذلك بأنني "ولد" كان رد أمي أنه لا يمكن لذلك أن يكون مدعاة للتفرقة بيني وبين شقيقتي في التعامل وأن الموعد المناسب مقرر لنا معاً وجل ما يمكن أن تكون فيه التفرقة هو ضمان الأمان والسلامة لشقيقتي وذلك بسبب المجتمع حولنا وليس بسبب عيب فيها ، وانتصرت والدتي هذه المرة أيضاً بمنطقها السوي.

تمر السنوات ليتوفى الوالد رحمه الله لأقف موقفاً واضحاً حيال تقسيم الإرث البسيط الذي تركه ودون أية تعقيدات وبمنتهى البساطه فأحصل على نصيب مساوٍ لنصيب شقيقتي دون ادنى تفكير ودون حتى طلب منها أو من أمي فهو أمر بديهي بالنسبة لي لا يحتاج إلى طلب ، فكلانا مساوٍ للآخر في كل شيء كما ربتني أمي.

الآن أزعم أنني أشغل منصباً لا بأس به داخل أروقة الدولة وطالما ما كانت أفكاري وقناعاتي بمفهوم المساواة وعدم التمييز مثار دهشة من البعض باعتبارها خارجة عن النمط التقليدي لمجتمع يكافح جلياً لتكريس التمايز ضد أفراده لأسباب عدة على رأسها "النوع" ومثار إعجاب من قبل البعض الآخر ، ولهؤلاء أقول أن كل فكرة وكل منطق آمنت به في هذا الشأن أدين به لإمرأة عظيمة ربتني على تلك القيم الإنسانية التي ساعدتني اليوم لأكون ذلك الشخص الذي أنا هو الآن ، ليس من قبيل المباهاة على الإطلاق بل لأكون شخصاً سوياً يؤمن حقيقة بقيم العدالة والمساواة والإنسانية.

ربوا أولادكم على القيم الإنسانية ربوهم على العدل والمساواة ربوهم ليكونوا بشراً ... أسوياء

دعمتني إمرأة ....دعمتني أمي

التعليقات