غربلة| فهمي بلطي يكتب: أسكن في منطقة غريبة من الروح

لست قارئا فذّا و لكن بالإمكان القول إنّني ترعرعت في عالم الكتب و إنّ علاقتي بالواقع الملموس كانت مختلّة منذ سنّ مبكّرة ,كنت أقرأ أشعار سعدي يوسف و محمود درويش و محمّد الماغوط منذ سنّ التّاسعة تقريبا , و منذ الحادية عشر انقطعت صلتي نهائيّا بقصص الأطفال لأدخل عالم الرّواية من دون مجاديف. أوّل رواية حقيقيّة قرأتها في حياتي هي الشّراع و العاصفة لحنّا مينة , تلك الرّواية كانت أنيستي لمدّة أسبوع قضّيته في قسم الأطفال بسبب التهاب رئوي . لا أتذكّر إن كنتُ "فهمتها" في ذلك الوقت أم لا , و لكنّها كانت ساحرة جدّا بالنسّبة لي , كانت عالما خفيّا آخر بأسره موازيا لهذا العالم, كما أنّها كانت بوّابة لالتهام روايات كثيرة أخرى بعد ذلك (...) و لكنّها كانت بالأساس سببا مباشرا في أن تصبح علاقتي بالواقع شبه مختلّة , فشخصيّات الرّوايات الكثيرة فيما بعد , تحوّلت إلى أكثر من مجرّد كائنات خياليّة بالنّسبة لي بل أصدقاءَ أناجيهم أو أتحدّث عنهم أحيانا كثيرة في بعض الحوارات أو النّقاشات أو الأحاديث العابرة و كأنّهم بشر حقيقيّون من لحم و دم ألتقي بهم من حين إلى آخر دون أن يلاحظ أحد ذلك .. تساؤلات كبرى فيما يخصّ الحياة و البشر و العالم غزت ذهني الطريّ حينها و أصبحت أتعامل معها مثلما يتعامل المدمن .. في ذلك الحين كنت انتشي انتشاء عظيما سواء في علاقتي بنفسي أو علاقتي بالآخرين كما كنت مغرورا نوعا ما لأنّه كان يُتعامل معي دائما على أساس أنّني أكبر من سنّي و أنّني أنتمي من دون شكّ إلى الصّفوة أو إلى مجموعة النّوابغ و لكنّني انتبهت في مرحلة متأخّرة من حياتي إلى أنّ المحكّ الحقيقيّ لكلّ شيء في الدّنيا ليس سوى التّجربة ... كان ذلك بالنّسبة لي بمثابة صدمة على جرعات متتالية لأنّني وجدتُ نفسي تقريا مجبورا على أن أقطع الطّريق نفسها مرّتين .. كنتُ أشبه برجل الكاريكاتور ذي الرّأس الكبير و الساقين الصغيرتيْن و الذّي عليه في كلّ مرّة أن يعود أدراجه كي يأخذ الوزن الزّائد من رأسه و يضعه في قدميه فيستطيع بالتّالي المشي بالسّرعة اللازمة التي تمكّنه من الالتحاق بالزّمن , في الحقيقة لم يكن ذلك أمرا يسيرا بالمرّة , لأنّ صعوبات الحياة هي التّي كانت تفرض عليّ أن أتصرّف بهذه الطّريقة أو تلك و تجبرني إجبارا على النّزول من قلعتي نحو الأرض , كي أتمكّن من النّجاة , لنقل إنّ التّجربة كانت تقوم بدورها من تلقاء نفسها و إنّ أمورا مثل الانتباه أو الحذر أو التريّث أو كلّ تلك الحِكَم النّسبيّة التّي تلائم وضعيّات معيّنة في الحياة كانت تأخذ رويدا رويدا مكانتها داخل ذهني و وجداني بطريقة أتوماتيكيّة تقريبا , لكنّني في أعماق أعماقي ظللت دائما في علاقة مختلّة بالواقع و كأنّ الانطوائيّة و الغياب الفجئيّ عن كلّ شيء يحيط بي , هما المكوّنان الأساسيّان لشخصيّتي رغم كلّ هذا الصّخب المهول و الفوضى العارمة خارج ذاتي , و كأنّهما أيضا - و لعلّ هذه مفارقة - السّلاحان الجوهريّان اللّذان أتّخذهما -بطريقة لا إراديّة- للدّفاع عن نفسي من الواقع نفسه , أو كأنّهما الملجأ الأخير الذّي أختبىء داخله حين أفقد كلّ الأسلحة .. الغياب الفجئيّ هو نوع من استعادة حريّة مسلوبة بالنّسبة لي عن طريق الانفصال التّام و الفجئيّ عن العالم أو لعلّه أيضا استعادة لطفولة مسلوبة ( ...)
عالم الذّهن , عالم الأفكار و التّساؤلات و الهواجس كان عالمي الحقيقي و لذلك فإنّ النّشوة الحقيقيّة التّي أحسّها في علاقتي بنفسي أو بالآخرين كانت تأتي من دفعي بالأشياء إلى منتهاها , من كسري للأفكار أو المعتقدات أو القناعات التّي تطفو على السّطح , من أن أجعل نفسي أشكّ والآخرين يشكّون , من أن نصل في النّهاية نحو اللاّ شيء , من أن أنبش حتّى أجد نفسي أنبش مرّة أخرى , من أن تتلاشى كلّ تلك الطّبقات السّميكة التّي تغلّف شيئا غامضا و مخيفا أستطيع في النّهاية أن ألمسه بيديّ هاتين فأكتشف مرّة أخرى أنّه هو ذاته مغلّف بطبقة أخرى و هكذا... ليس هناك ما هو أشدّ إثارة من ذلك بالنّسبة لي ( ... )
أبتسم أو أقهقه بيني و بين نفسي أحيانا حين أكتشف في لمح البصر أنّني أشتغل طبيبا و أنّ وظيفتي الحقيقيّة الآن ليست رمي الحصى في البحيرات الرّاكدة , و ليست النّبش ثمّ المزيد من النّبش و لا ضرب الرّؤوس بالمطارق و لا الكشف عن ذلك الشيء الغامض و المخيف الذّي تغلّفه تلك الطّبقات السّميكة , بل هو عكس ذلك تماما , فالذّي عليّ أن أمنحه للآخرين ليس شيئا آخر سوى الطّمأنينة و السّكينة و الأمان ( ... )
أنا غريب , أنا أغيب إذن أنا موجود ... أنا أسكن في منطقة غريبة من الرّوح , إنّها المرّة العاشرة التي تناديني فيها أمّي و لا أنتبه , إنّها المرّة المائة التّي تمسكني فيها حبيبتي من قميصي و أنا أمامها : إلى أين ذهبت يا ابن الكلب ؟؟؟

التعليقات