غربلة| سحر عبد القوي تكتب: البعيد عن العين

 

طالما كنت أمتعض من هذا المثل ولا أتفق معه... منذ كنت طفلة صغيرة وأنا لا أستسيغه منطقيا... كنت أؤمن أن من يدخل القلب تنطبع صورته علي العين وليس العكس... نحن لا نحب الناس لأننا نراهم كثيرا بل نحبهم لأننا رأيناهم بصدق بقلوبنا فسكنوها... ومن يسكن ضاحية القلب لا يُجلي منها إلا بقرار من ذات القلب... ما دخل العين فيما يعتمل عميقا في أفئدتنا!

البعيد عن العين... ذاك حب الأطفال.. من لم ينضج بعد هو من يحب بعينيه ... طيلة حياتي أعتقد أن ذلك هو عين التصرف الطفولي في الحب.... تموت أم الطفل الصغير أو يطلقها زوجها أو يختطفه منها ويذهب به إلي دولة أخري معتمدا أن هذا الكائن الذي لم يخرج من طور النباتية سينسي أمه.... وقد يعامل أي امرأة توضع في محيطه علي أنها أمه.... لكن ولدا بلغ العاشرة مهما كذبوا عليه سيتذكر أمه الحقيقية ولن تنطلي عليه الحِيَل... فكيف برجل وامرأة ناضجين أن ينسوا لأن المحب ابتعد عن مجال الرؤية.... !

حب السطحيين هذا القائم علي التعود والذي ينهار لانقطاع اللقاء وتباعده ليس حبا... الحب وشم علي صفحة القلب لا يزول... هذا إن كان حبا ما تسمون وليس مراهقة أجيال لم تعرف النضج لأننا شعوب لا تدرك النضج وحضارات لم تختبر النضج.

وأي غياب ذاك الذي قد يفسد حبا في زمن اللا حب ذاك ونحن بين أيدينا هواتف ترسل الخاطر في وقته وساعته بين قلبين... وبين أيدينا أجهزة تجعلنا نري البعيد ونحدثه بالصوت والصورة والكلمة بل ونستطيع أن نراه وهو يأكل ويشرب و نستطيع أن ندخله معنا إلي "الحمّام" حتي لو أردنا في فعل بالغ الحميمية..... فأين البعد الذي تتكلمون عليه وقد غدا أصحابنا المنتشرين في كل أصقاع الأرض أقرب إلينا وإلي عقولنا من أهلينا الذين يعيشون معنا في نفس الدار وزملاؤنا الذين يشاركوننا لقمة العيش.... فأين هذا البعد في زمن السوشيال ميديا والعالم الذي تحول لمنديل طي اليد !

البعيد عن العين بعيد عن القلب الذي لم يدخله من الأساس... تلك حجة البليد أو الكاذب... من كذب علي نفسه وأقنع نفسه أنه أحب والحب والله ماعبر من بين ضلعين له.

البعيد عن العين في القلب.... لو صدق القلب... ونضج العقل... واتزن الشخص وكان علي قدر كلامه.

 

*غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.. 
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 
 
التعليقات