غربلة| إيمان كامل تكتب: أسطورة بورما.. سلسلة ما وراء الطبيعة

 

 

ناس كتير من أصحابي عارفين إني زرت ميانمار أو بورما أكتر من مرة خلال السنتين اللي فاتو من وقت ما اتنقل جوز اختي عشان يشتغل في فرع شركته هناك وسافرت معاه أختي وولادها.

أنا قضيت 8 شهور في البلد وأكتر من حد طلب مني أكتب عن الموضوع لكن أنا اتأخرت كتير، أولا لأني مقتنعة إن انتشار كم كبير من المعلومات المغلوطة مش مجرد صدفة ولا جهل وبالتالي الناس اللي بتنشر الكلام ده مش مستعدة لأي نقاش ومعندهمش أي ردود غير الشتيمة. والسبب التاني إن مهما كانت الخلفيات المعقدة فالنتيجة والواقع إن فيه بني آدمين ملهومش ذنب -على الأقل خالص الأطفال منهم- بيتعرضو لظلم كبير وأي كلام جنبه بيبقى سخيف وقليل الحيلة.

ثالثا إني كنت مستنية أوصل لقناعة إني قدرت اجتهد وأدور على أقرب نسخة للحقيقة أنا مصدقاها وأقدر أتحمل مسؤولية وأمانة نقلها لناس تانية وإني ألاقي الطريقة المناسبة عشان أعمل ده..

المهم بعد المقدمة الطويلة ديه كلها..

البلد اللي كتير مننا ميعرفش عنها غير "انقذوا مسلمي بورما" هي بلد كبيرة اسمها اتغير لميانمار سنة 1989 وعدد ولاياتها تقريبا 12 ولاية واحدة منهم هي "راكاين" الموجودة على خليج البنغال
و فيها قبائل الروهينجا المضطهدين اللي هنجيلهم كمان شوية..

ميانمار بلد مليان بالموارد الطبيعية ومصادر المياه والطاقة والزراعة ومناجم الألماس والأحجار الطبيعية النادرة والذهب والفضة ده غير الأماكن السياحية التاريخية والشواطئ المصنفة من أجمل شواطئ العالم..

ومع كل ده هي بلد فقير جدا لتاريخها الطويل مع الاستعمار ومن بعده الحكم العسكري اللي مسيطر على كل أشكال التجارة الرسمية وغير الرسمية والمشروعة وغير المشروعة.

البلد ليها حدود مع الصين والهند وبنجلاديش ولاوس وتايلاند وبتطل على المحيط الهندي وخليج البنغال.

بلد بالموقع والموارد ديه مش بس كانت مطمع للاحتلال البريطاني من سنة 1885-1948، وغزو اليابان وقت الحرب العالمية التانية عشان تستفيد من موقعها في الحرب.

ومن الصين اللي بتدعم مجموعات مسلحة في ولاية كاتشين في الشمال لمحاولة الاستقلال بيها واستنزاف مواردها لدرجة انهم بيستغلو فقر الأهالي ويشترو بناتهم وياخدوهم الصين يشغلوهم في الدعارة.

ومن 1997 فرضت أمريكا على ميانمار عقوبات اقتصادية بسبب ممارسات الحكم العسكري الديكتاتوري وسجن المعارضين وقمع الصحافة وانتهاكات حقوق الإنسان.

سنة2012  كانت نقطة تحول مهمة لما بدأت الحكومة تقدم تنازلات وتوافق على بعض الإجراءات للتحول الديمقراطي وبالتالي وافقت أمريكا على بداية رفع العقوبات رسميا وفتح البلد قدام استثماراتها والحمد لله دلوقتي بقي عندهم كنتاكي وبيتزا هت ومش ناقصهم حاجة..

وفي السنة دي تحديدا بدأت مشكلة الروهينجا تظهر بقوة أكبر بعد ما كانت مجرد حوادث أو خناقة بتتطور نتيجة الشحن اللي عند الناس ويتدخل الجيش فيها لصالح الأغلبية بإنه يقبض على المسلمين أو يقف يتفرج زي مثلا ما بيحصل عندنا في حوادث المنيا ضد الأقلية المسيحية!!

في الوقت اللي الحكم العسكري بيفقد جزء كبير من سلطته وسيطرته جاتله الفرصة -أو صنعها- عشان يستعيد شعبيته من خلال فزاعة الروهينجا اللي هم أصلا أقلية مكروهة عند أغلبية الناس.

طيب.. ليه هم أقلية مكروهة؟ وايه اللي بيخلينا نقول إن الأزمة في الأساس عرقية مش دينية؟؟

ميانمار فيها تنوع عرقي كبير جدا لكن الكتلة الأساسية أصولها من الصين والهند.. الأقليات التانية بعضهم اندمج في المجتمع والبعض فشل في ده وكونوا ميليشات مسلحة بتحارب ضد الجيش عشان تحافظ على المناطق اللي بتسيطر عليها وعلى هويتها ومصالحها وعددهم تقريبا 22 أقلية مسلحة وطبعا فيه جهات كتير ليها مصالح في استمرار الوضع ده رغم كل محاولات واتفاقيات السلام الداخلي.

ميانمار كمان فيها أقليات دينية زي الهندوس والمسيحيين عايشين في سلام تام بدون أي شكل من أشكال الاضطهاد والمفاجأة كمان مسلمين!! عدد كبير من المسلمين عايشين في تجمعات وأحياء كاملة في وسط البلد وعندهم مساجد سمعت الأدان فيها بودني وصليت فيها الجمعة والستات المحجبات بيتحركو في الشوارع والمولات بمنتهى الحرية وأحيانا المنتقبات رغم إن أعدادهم قليلة، ده غير إن المسلمين مسيطرين على قطاعات كبيرة من التجارة زي تجارة الدهب واللحوم.

اشمعنى بقى الروهينجا بالذات هم اللي مكروهين.. ببساطة لأن الناس في ميانمار شايفينهم مهاجرين من بنجلاديش مختلفين عنهم في الملامح والزي واللغة والثقافة والدين هربوا من بلدهم لأنها بلد فقيرة وبتتعرض لكوارث طبيعية،

واحتلو جزء غني بالموارد من ميانمار وغيرو هويته وتكاثرو في وقت نسبيا قليل بشكل مخيف لأنهم مؤمنين بتعدد الزوجات وطبعا بيخلفو بأعداد كبيرة جدا برغم فقرهم لحد ما وصلو إنهم يبقو الأغلبية في إقليم أراكان وبيطالبو حاليا بالإنفصال عن الدولة بحجة أنها كانت إقليم منفصل من أكتر من 500 سنة.. ونجحو مؤخرًا إنهم يكونو ميليشيات مسلحة بتنفذ عمليات ضد الجيش والشرطة عن طريق مساعدات دول الخليج وتركيا اللي رافعين شعار "أنقذوا مسلمي بورما" ومن مصلحتهم أن سبوبة التبرعات تفضل مفتوحة وده بالمناسبة كلام اتقالي من مسلمين عايشين هناك باعتباره شيء عادي ومشروع..

طبعا كل ده بيأكد عند الناس شكوكها ناحية مخطط "البنغال" زي ما بيسموهم وفيه بعض الناس بيسموهم "داعش" عشان يفرقو بينهم وبين المسلمين اللي عايشين وسطهم ومندمجين في المجتمع وبيخليهم يشوفوهم من أكتر الأقليات الموجودة خطرا على رغم إنهم مش الأقوى تسليحًا خصوصا مع غياب أي معلومات عن حقيقة الوضع في الإقليم الحدودي المعزول اللي بيبعد مئات الأميال عن العاصمة..

وكمان من أهم الأسباب اللي خلت شعبية أونج سان سو تشي تقل واللي كانت شعبيتها كبيرة جدا كزعيمة للمعارضة قبل ما تبقى رئيسة الحكومة حاليا، إنها اتبنت خطاب الوحدة الوطنية ونبذ الاختلافات وعملت فيها برادعي وده كان من ناحية محبط للأغلبية ومن الناحية التانية مساعدش في تحسين أوضاع الروهينجا وخاصة إن الجيش هو اللي مازال متحكم في كل شيء على أرض الواقع ومستفيد من فشل التجربة الديمقراطية.

في النهاية هي خناقة مصالح بيتم ابتزاز مشاعر الناس من خلال تحويلها لقضية اضطهاد ديني واللعب على النغمة اللي كتير مننا بيحبها.. وفي الآخر اللي بيروح ضحيتها وبيدفع تمنها ناس ملهاش ذنب من كل الأطراف

معلش طولت عليكم بس افتكر ان احنا بالذات كمصريين مش مفروض يكون عندنا صعوبة في تصور الوضع المعقد ده بعد كل اللي مرينا بيه خصوصا في ال 6 سنين الأخيرة ولأننا لا نملك تقديم أي معلومات عن اللي بيحصل في سينا مثلا..

أو أننا لا سمح الله نتخيل مجرد تخيل وجود أقلية بوذية في مصر وشعورنا ناحيتهم هيكون إيه ساعتها واحنا بناكلهم صاحيين..

 

#غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: 
[email protected]

التعليقات