غربلة| هاجر حمدي تكتب: عن تصاعد الخلاف الأيديولوجي في الجزائر

 
 
سأشرح لكم ببساطة سبب تصاعد الصراع الأيديولوجي مؤخرا في الجزائر ، ولماذا هذا التصعيد ضد وزيرة التربية وكمال داوود ، وضد أي مفكر أو ناشط علماني وتنويري مؤثر على الرأي العام : 
تم منع الإسلاميين من الوصول الى الحكم في سنة 92 ، بعد سنوات الدم في الجزائر بحرب أهلية انتهت بانتصار الجيش ، فقرر الإسلاميون تبديل الخطة واللجوء إلى التغيير الناعم ، وهو التغلغل في المجتمع بمسميات مختلفة دون التصريح بالأهداف الحقيقية بشكل مباشر ، وذلك بإنشاء جمعيات مختلفة ذات طابع خيري واجتماعي ، أو بتأسيس منظمات وحركات تتغطى بستار التنمية البشرية ، و محاولة اصطياد اكبر عدد ممكن من الشباب المتعلم وضمه إلى هذه الحركات ، كما تفعل حركة جيل الترجيح وحمس وغيرهم ، والكثير من النشاطات المشبوهة وغير معلنة الأهداف والغايات الحقيقية من عملها ، لأنهم يأخذون التصاريح وحرية الحركة تحت ذريعة ممارسة حقهم ، ويقنعون النظام أنّ لا غاية سياسية وإديلوجية لهم ، وتمكنوا من اختراق أجهزة الدولة حتى الأمنية منها ، بسبب الرداءة المتفشية وغياب الرقابة من طرف السلطة المشغولة بصراعاتها الخفية ، لأنهم يعلمون أن النظام لا يريدها علمانية كاملة ولا إسلامية كاملة ، بل يفضّل البقاء في الوسط بين الطرفين لإحكام سيطرته عليهما ، ومهما كان ضمن كوادره بعض العلمانيين لكنهم لا يطبّقون العٓلمانية بشكل حقيقي ، بسبب المصالح والنهج البراغماتي الذي يعتمد على نسبة معينة من تديّن الشعب لسهولة السيطرة عليه ، وكون النظام لا يعادي التديّن ولا يراقبه ولا يحصره الا اذا حمل المتدينون مشروعا سياسيا ، ولا يهمه بناء الفرد ودعم التقدم والتطور والتخلص من المفاهيم الرجعية ، فاستغل الإسلاميون هذا لصالحهم وأوهموا النظام أنهم غضّوا الطرف عن مشروعهم ، وتفرّغوا لنشر فكرهم في الشارع والسيطرة على العامة من أجل الحفاظ على القاعدة الشعبية ، لأنهم ينتظرون تقاعد وزوال الرؤوس الكبيرة في النظام التي تعيق مشروعهم ، لكن فجأة بدأ كل هذا التخطيط بالانهيار في مدة قصيرة ، بسبب تصاعد المدّ التنويري مؤخرا وخروجه للعلن وسرعة انتشاره في سنوات قليلة ، خاصة مع الانترنت ووسائل التواصل وفتح هذه النقاشات في المقاهي والفضاءات العامة والجامعات بين الشباب ، وهذا ما غاب عن التيارات الإسلامية ولم يحسبوا له أي حساب ، خصوصا أنّ الفكر الإسلامي مهما اشتد وتم دعمه ماليا وإعلاميا الا أنه ينهار في لحظة منطق وعقلانية واحدة ، والكارثة الأكبر التي يدركها الإسلاميون أن من يتخلص من فكرهم لن يعود إليه الا في حالات نادرة جدا ، لذلك احتدّ هجومهم على العلمانيين الذين شرعوا في تحطيم مشروع العمر الاسلامي ، و تجهيز قاعدة شعبية كبيرة واختراق كل شيء بمنع اختطاف الدولة مستقبلا، وهذا ما يدفع بالاسلاميين للتكالب على بن غبريط التي ستحول بينهم وبين الأجيال الجديدة ، وستنقذ فئة كبيرة من الجيل الجديد من المشروع الاسلامي المنظّم ، ولأنها تعلم جيدا تكتلاتهم في قطاع التربية في السنوات الماضية ، لكونها ذكية وأكاديمية و ليست بغباء بن بوزيد ومن سبقه ، إذن القصة كلها بسبب بداية فشل هذا المشروع، رغم أن العلمانيين لم يتحدوا بعد بشكل حقيقي وواضح ، ولازالوا مشتتين ومبادراتهم متواضعة فما بالكم لو اتحدوا و تجاوزوا خلافاتهم الهامشية ، وما بالكم لو سمح لهم النظام بتصدّر المنابر الإعلامية والنشاطات الفكرية ، مثلما هو مسموح للإسلاميين بالسيطرة على الفضاء العام ، عندها صدّقوني لن يستمر هذا الفكر أكثر من سنة واحدة ، وعم يعلمون جيدا لذلك يرتعبون لرؤية كمال داوود أو أي مفكر علماني يحاضر في الملتقيات ، حتى لو كان معارضا سياسيا ويطالب بحقوقهم ، لأنّ هدفهم إيديولوجي ديني وليس بناء دولة الدمقراطية والقانون والعدل ، وهاهم يقفون ضد الدكتورة المعارضة المناضلة أميرة بوراوي فقط لأنها علمانية، كما وقفوا ضد أركون وحسين آيت احمد وعلولة والوناس وغيرهم من العلمانيين المعارضين ، و سيستمر هذا الصراع ويحتدم أكثر بين الطرفين ، وعلى كل طرف النضال من أجل مبادئه ومفاهيمه ، ومن يملك الحجة والبرهان والقوة والحنكة هو من سيحدد جزائر المستقبل ، هذا مع المطالبة بتساوي المنابر بين الفريقين ، وتكافؤ الفرص حتى تكون المنافسة عادلة ومنصفة .
 
*غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.. 
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 
 

 

التعليقات