غربلة| هشام فتحي يكتب: خروج أم إخراج؟

 

ناقش الأستاذ الكبير الدكتور سيد القمني في كتابه المثير "النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة " فرضية أن (موسى التوراتى) كان هو (إخناتون المصرى) وكان هو (أوديب اليونانى).. لكنني في الحقيقة لست بصدد مناقشة الأستاذ القمني في فرضيته المثيرة، بل ربما كان الأكثر إثارة من وجهة نظري هو أن المفكر الكبير قد ناقش حقيقة  خروج بني إسرائيل من مصر هل كان (خروجا) أم (إخراجا)؟!، تلك هي المسألة.

ولحسن الحظ أن الرجل قد استدل على فرضية (الإخراج) من الكتاب المقدس ذاته (التوراة/ العهد القديم)، وياللمفاجأة الكبرى، إن التوراة في سفر الخروج تبث روايتين أو آيتين تقران أن (الموسويين) قد تم طردهم من مصر لا خروجهم خروجا اختياريا لأجل أسباب عقدية، وياللعجب، إن مجرد التشكيك في حقيقة خروج  الموسويين ونقل  الحقيقة من خانة الخروج إلى خانة الطرد والإخراج بالقوة لسوف يترتب عليه تغيير التاريخ الديني الإبراهيمي لديانتين جاءتا من بعد اليهودية قد تلقفتا أسطورة  الخروج الإختياري وبنتا عليه فرضياتهما ونصوصهما المقدسة، وحتى لا نهرب من القارىء الكريم فإن سفر الخروج الإصحاح السادس الآية الأولى  يذكر: "فقال الرب لموسى: الآن تنظر ما أنا فاعل بفرعون فإنه بيد قوية يطلقهم وبيد قوية يطردهم من أرضه" ويعود النص للتأكيد على خبر الطرد في ذات السفر الإصحاح الثانى عشر الآية التاسعة والثلاثين: "وخبزوا العجين.. إذا كان لم يختمر لأنهم طردوا من مصر ولم يقدروا أن يتأخروا"، يشرح الأستاذ القمني ذلك بقوله: "وهو الطرد الذى ينفي تماما فكرة مطاردة فرعون لهم (مطاردة الهاربين) وغرقه هو وجيوشه في البحر، ذلك الحدث الذي لم تذكره لا نصوص مصر ولا آية نصوص أخرى لآية دولة من دول الشرق القديم معاصرة للأحداث إزاء حدث هائل كهذا مفترض أنه قد لحق بجيوش الدولة الإمبراطورية (مصر) لذلك الزمان، حدث ذكرته فقط التوراة (وفى الحقيقة ذكره القرآن أيضا جريا على تاريخ التوراة) وذلك باستخدام المأثور الفني المصري وإعادة إخراجه في ثوب إسرائيلي إعجازي (غرق الفرعون).

ويشرح القمني: "ثم نقرأ في حروب (سيتي الأول) الذي حكم 1309 قبل الميلاد أنه خرج من مصر إلى فلسطين لصد هجمات جديدة لـ(العابيرو) تحاول عبور نهر الأردن من الشرق إلى الغرب داخل فلسطين وبحساب بسيط سنجد الفارق بين زمن سقوط  إخناتون (الذي هو موسى بحسب القمني) 1350 ق . م وبين تلك الغزوة العابيرية على فلسطين التي صدها (سيتي الأول) 1309 ق . م يعطينا فارق أربعين عاما هي المدة التي انقضت ما بين سقوط إخناتون (موسى) وبين وصول الخارجين إلى فلسطين وسميت في التاريخ الديني الإبراهيمي بسنوات التيه الأربعين.

فهل كان التيه السينائي المزعوم تيها في أرض كنعان/ فلسطين بعد تشتت العابيرو على يد سيتي الأول؟ إن إسرائيل الحديثة ظلت تحتل سيناء المصرية مدة من الزمان بدأت فعليا عام 67 من القرن العشرين وانتهت رسميا مع بداية الثمانينات من نفس القرن ولم تستطع أن تثبت لنا مادة أركيولوجية واحدة تؤكد وجود بني إسرائيل في تيه سيناء مدة أربعين عاما تحدثت بها التوراة أحاديثها المقدسة، فلا هياكل عظمية احتفظت بها رمال سيناء ولا أطلال بيوت أو معابد ولا عملات ولا مواد غذائية ولا أسلحة ولا أي شيء سيما وأن النصوص قد تحدثت عن خروج ما يزيد عن ستمائة ألف عابر من مصر باتجاه سيناء واستيطانهم بها أو تيههم مدة أربعين عاما، فهل كان الإسرائيليون حقا بمصر؟

لكننا الآن أمام مشكلة تاريخية/ دينية كبرى فالنص التوراتي المؤسس لأديان ابراهيم (المسيحية والإسلام) ينفي بالمفهوم المعاكس الذي أثبتته حجة أستاذنا القمني  ينفي  خبر (الخروج الاختيارى) و(غرق الفرعون) بنفس اللحظة، بل ويدحضهما ويضربهما في مقتل، إذ أنه لا يستقيم منطقيا أن تتحدث النصوص الإبراهيمية عن (الطرد) للموسويين من قبل الفرعون ثم نقبل بفكرة (الغرق) وإلا فمن انتصر ومن انهزم؟!، فلا يمكن أن يغرق (الطارد) ولا يصح أن يهلك (المنتصر)، يقينا هناك نصوص توراتية أخرى وقرآنية تتحدث عن غرق الفرعون وجيشه باليم العميق، لكننا إذن أمام تناقض صارخ في مفاهيم النصوص للدرجة التي لا يمكننا بها الخروج بنتيجة علمية  موثوقة. وبالمنطق نقول إنه إذا اهتزت الأساسات انهار البناء. ولا أعرف الآن هل انهار البناء الابراهيمي فيما يخص هذه القضية؟ 

 

 ++ غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني nelsabagh@gmail.com     

 

التعليقات