غربلة| حاتم صلاح السروي يكتب: أزمة العنصر البشري

من نافلة القول أن مصر تعاني من أزمة خانقة على كل المستويات اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتتجلى هذه الأزمة في كل يوم بل في كل ساعة وهي تشتبك معنا باستمرار وتتغلغل في كل مظاهر الحياة بشكلٍ يجبرنا في نهاية الأمر على التسليم والسكوت (بالبلدي جتتنا نحست!) لكن هذا التسليم والرضا بالقدر ما يلبث مع تفاقم الأزمة وشدتها التي تزيدها الأيام ضراوة أن يتحول إلى حالة رفضٍ وغضب؛ غضب مكبوت لا يجد العلاج المناسب بل إن مجرد التصريح به يجعل المواطن المطحون محل مسائلة قانونية وبالتالي يتحول هذا الغضب إلى حزن عميق وكآبة لا تعرف الحدود وانعدام للطاقة الإيجابية مع الشعور بالعجز وحالة مؤلمة من الإحباط وفقدان السيطرة على الأعصاب والدخول في دوامة من المشاجرات العبثية مع الأهل والزوجة وربما الجيران ومع طوب الأرض إن أمكن.

وسوف أحاول في هذه المقالة أن أضع يدي على مكمن الخلل وأصل الداء وسر الأزمة بالطبع من وجهة نظري وهي وجهة نظر لإنسان عادي كل ما يفعله أنه يمنح عقله فرصة للتفكير، ولست أدعي أبداً كوني من المفكرين والعلماء وأصحاب الرأي وإنما هي وجهة نظر لا تفرض نفسها على أحد وربما وجدت من يتفق معها أو حتى من يناقشها، وحتى لا أطيل أقول أن سبب المشكلة العميقة التي نعاني منها هو خلل بالغ وقصور شديد في العناصر البشرية، في المواطنين أنفسهم الذين يعاني أكثرهم من أمية ثقافية عادةً وأحياناً أمية أبجدية مع نقصٍ شديد في مستوى الوعي المعرفي والسياسي وقصور واضح في النظر والتفكير، كما أنهم يعانون من أزمة ضمير تبدو جليةً للعيان وضعف حاد في الوازع الخلقي نرى مظاهره في تفشي الكذب والخديعة والطمع والخيانة والرشوة والفساد والمتعة التي يشعر بها البعض في خرق القيم والقوانين، ومرد هذا من وجهة نظري إلى خلل في منظومة التربية والتعليم والخطاب الديني.

بمعنى أكثر وضوحاً أنه لا توجد في مصر تربية كما أنه لا يوجد تعليم مما أدى بشكل تلقائي إلى صناعة أجيال مشوهة تعاني من أزمة شديدة على مستويين مستوى القدرة على العمل والانتاج الذي يتطلب في البداية تعليم جيد وكفاءة متميزة مع رغبة وثابة من العنصر البشري نسميها الطموح بالإضافة إلى النشاط مع شعور حقيقي وراسخ ومتجذر بالمسئولية تجاه النفس والأهل والوطن، كل هذه العناصر يفتقدها شبابنا الذي يعاني من تعليم قاصر لا يؤهل لسوق العمل بالإضافة إلى حالة من اللامبالاة والكسل تجعلهم يفضلون التسكع في الطريق أو الجلوس في الكافيهات على البحث الجاد عن فرصة عمل مناسبة، كما أن شبابنا مع الأسف ليس لديه الانتماء بمعنى أن الشعور الوطني لا يدور بخلده ولا يمر بخاطره، ونرى أغلبهم يحلمون بالهجرة مع أن الحقيقة التي يعرفها أصحاب العقل والحكمة أن الإنسان الذي ليست لديه القدرة على التحقق في وطنه لا يستطيع أن يصل إلى النجاح في الدول الأخرى، ونحن نرى بوضوح أن الشباب الذين أتيحت لهم فرصة الهجرة يعملون في مهن متدنية وتلك هي النتيجة الطبيعية للتسرع وسوء التخطيط وعدم الجاهزية للأعمال المناسبة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: من المسئول عن هذا النقص في الكفاءة الذي يتسم به الشباب وهم وقود الانتاج في أي بلد؟، من المسئول عن حالة عدم الانتماء وتبلد الإحساس الوطني؟ والإجابة واضحة بالقطع أن التعليم لدينا لا يعلم شيئاً.

والمستوى الثاني من مستويات الأزمة هو ضعف الوازع الخلقي لدى الكثيرين؛ فنحن نشاهد مع بالغ الأسف ألوفاً من البشر يبحثون باستمرار عن حقهم أو ما يعتقدون أنه حقهم في وقتٍ لا يعملون فيه بضميرٍ وإتقان وربما لا يعملون أساساً، كما أن الجشع سمة غالبة على معظم التجار بحيث أن أسعار السلع لو ارتفعت قيراطاً يرفعها التجار أربعة وعشرين، وإذا عنَّ للمشتري أن يتساءل يأتيه ذلك الرد الجاهز المعلب السمج " الحاجة غليت يا بيه، غصب عننا يا بيه " !! إننا وبكل وضوح نعاني من أزمة أخلاقية بالغة ترجع وبكل تأكيد إلى ضعف الجانب الإيماني وعدم الخشية من الله؛ وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن دور المؤسسة الدينية الرسمية والإجابة أن هذه المؤسسة نفسها بحاجة إلى إصلاح لأن مشايخها يعانون من هزال المعلومات الدينية وضعف المادة العلمية وبعضهم يَلْحن في الخُطَب ولا يحسن الإعراب، وكم شاهدنا مواقف أجبرتنا على الضحك ولكنه ضحكٌ حزين يستبطن الحسرة على حالة الأزهر وأبنائه، وعلى سبيل المثال سُئل طالب أزهري عن مذهب الأشاعرة فقال إنهم من فرق الشيعة! علماً بأن الأشعرية هي المذهب الرسمي والمعتمد لدى المؤسسة الأزهرية، معنى ذلك باختصار أن هذا الطالب لا يدري السماء من العماء ولا يعرف الألف من كوز الدرة!

وربما أكون قد أطلت وحتى لا أشق على القارئ المحترم أقول في النهاية إن دولةً كاليابان تبلغ مساحتها أقل من ربع مساحة مصر كما أن بها كثافة سكانية عالية وهي لمن لا يعرف محدودة الموارد ومع ذلك أصبحت من أقوى دول العالم اقتصادياً مع أنه لا يوجد بترول ولا تعدين ولا ثروة زراعية ولا مواد خام ولكن يوجد أثمن الكنوز وهو الإنسان فإذا أردنا أن يتغير الوضع لما هو أفضل علينا أن نهتم بالإنسان علينا أن نعرف كيف نعلم الطفل ليصبح قوياً قائداً قادراً على العطاء ضليعاً في الإدارة إدارة وقته وإدارة إمكانياته.. إنني أقولها بمنتهى الصراحة وأعتقد إن كل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وما نعانيه من تدهور نحن السبب فيها فلنصلح أنفسنا إذن وإلا فترقبوا الكارثة.

 

غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected]

التعليقات