غربلة| المستشار محمد سمير يكتب: عن الحوار مع الإرهابي وعلم النفس والمشاهدين

دون الدخول في حالة الجدل التي يحكمها بالأساس الاستقطاب السياسي المؤدلج بين أنصار هذا الفريق أو ذاك ،
ألم يكن من الأفضل استطلاع رأي علماء الاجتماع وعلم النفس الجنائي وعلم العقاب وأساتذة الإعلام وتشكيل وتوجيه الرأي العام قبل استضافة أو محاورة إرهابي متهم بارتكاب جريمة جنائية من جرائم الباب الأول من قانون العقوبات والمعاقب عليها بعقوبة الإعدام ؟
يطرح هذا التساؤل من وجهة نظري بعض الاعتبارات وهي بايجاز :
1) تكريس فكرة الحوار مع مرتكبي تلك الجرائم من شأنه أن يرسخ لفكرة قد تنظر لتلك الجرائم كما لو كانت وجهة نظر أمام وجهة نظر أخرى بحيث يتحول الارهاب والعنف إلى مجرد خلاف في وجهات النظر ، لابد هنا ان يكون واضحاً الخط الفاصل والفارق بين الرأي والاختلاف والمعارضة وهي كلها أمور محمودة وطبيعية في السلوك الإنساني والمجتمعات الحديثة وبين الإرهاب واستخدام العنف أيا كان تبريره وإلا منحنا الأخير الغطاء الشرعي أو الشعبي الذي يحلم به مؤيدوه.
2) لم يكن الحوار من وجهة نظري موفقاً فبينما كان المحاور يسأل أسئلة تقليدية ، كانت اجابات الإرهابي متوقعة للغاية وكان دوما ما يرد بتبريرات دينية تشرعن له العنف والقتل وتؤصل له ، وكنت أتوقع أن يكون هناك أحد أساتذة العقيدة المشهود لهم بسعة العلم والفكر ليتولى الرد على ما جاء على لسان المتهم من مبررات شرعية للعنف والدم وليصحح للعامة من المشاهدين ما يتحجج به المتهم من تفسيرات دموية لآيات الكتاب والسنة. ولكن غياب ذلك وفي ظل محاور لم يكن لديه القدرة على الرد بالحجه والعلم في هذا الملعب أدى لنتيجة عكسية فبدا كما لو كنا نشاهد الإرهابي وهو يستضيف المحاور لا العكس.
3) لن يغير هذا اللقاء ولا عشرات غيره فكر الإرهابي المتهم على الإطلاق ، فمن يصل لتلك المرحلة يكون قد قطع تذكرة ذهاب بلا عودة ودع فيها العقل والفكر وتم غسل دماغه بحقيقة واحدة ، محاربة الدولة الكافرة سعيا في الشهادة وكفى ولن يثنيه عن ذلك سبيلاً ، ولكن اذا كنا نطمح في محاربة الإرهاب الحقيقية فينبغي معالجة المسألة منذ البداية وبيان الفكر الصحيح وتصحيح المفاهيم الفاسدة والتفاسير الشاذة التي يستخدمها قيادات تلك التنظيمات بغية غسل أدمغة مريديهم ليصلوا بهم إلى مرحلة من السلام النفسي التام وهم بصدد اغتيال أرواح البشر تشبه حالة الكاميكازي اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية ، ولنا في مشهد مفجر الكنيسة البطرسية وهو يدخل بكل ثبات نفسي وهدوء قبل ثواني قليلة من تفجير نفسه وقتل العشرات من الأبرياء العزل أسوة حسنة.
4) كان يتعين مراعاة ان المتلقين من المشاهدين ليسوا على درجة واحدة من العلم والفكر أو مستوى التعليم والثقافة العامة وهو ما كان يستتبع بالضرورة بحث الفكرة بشكل أكثر عمقاً حتى لا تؤدي لنتيجة قد تكون غير تلك المرجوة ، وكنت أفضل ان يتضمن البرنامج لقاءات مسجلة مع أسر الشهداء ونبذة عن تاريخ الإرهاب الأسود لكسب فكر شريحة كبيرة من المشاهدين ترى بأعيينها ما يتسبب فيه الإرهابي من دماء وآلام. ولنري ما تطرحه الولايات المتحدة مثلا من افلام تناقش الحروب العالمية كفيلم "بيرل هاربر" وهو الحدث الأهم الذي استندت إليه الولايات المتحدة لاستخدام القنبلة الذرية وكيف ناقش الفيلم بداخله قصص الحب بين الطيارين وحبيباتهم وزوجاتهم ومن ترملوا منهم بشكل يجعل المشاهد في النهايه قد يتعاطف حتى مع قذف اليابان بالقنبلة الذريه في أغسطس 1945 ، مع فارق التشبيه طبعا ولكن الغرض هنا توضيح كيف يتم التعامل مع الرأي العام عامة.
وأخيراً تلك وجهة نظر قد تصح وقد تخطئ ولكن في جميع الأحوال لابد ان تتماشى محاربة الإرهاب المسلح باستخدام القوة المشروعة مع تصحيح الفكر ذاته منذ البداية وتعليم المجتمع قيم التسامح وقبول الآخر والتعايش السلمي وهي أفكار شكلت جوهر كل الأديان والمذاهب في تاريخ الإنسانية.

التعليقات