غربلة| أشرف الصباغ يكتب: كيف تطبِّل بدون طبلة وترقص بدون حبل!

 

أتمنى من الأصدقاء والمعارف والمهتمين بالشأنين العام والسياسي والعاملين فيهما، وبالذات اللي بيدعموا فخامة الرئيس بشار الأسد في حربه ضد الإرهاب وضد هدم الدولة السورية، أن يحاولوا التعامل أيضا مع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفس المعيار!!!
أتمنى فعلا من المتعاطفين مع الدولة الإيرانية الدينية، إنهم يحاولوا يتعاملوا بنفس المعيار مع الدولة الإسرائيلية والمملكة السعودية!! ودا مش خلط ولا تعميم..
يا ريت الأصدقاء اللي زعلانين من الأحزاب والتنظيمات والحركات اللي بتقبض ولها أجندات، يتعاملوا بنفس المعيار معاها كلها! ولَّا المشكلة مش في القبض؟ ولا المسألة بتتوقف على التوجهات ومش مهم القبض؟ ولا المشكلة مش في القبض، وإنما في الصرف؟!
أعتقد إننا طول ما إحنا غرقانين في المقارنة بين "السئ" و"الأكثر سواء" و"الأقل سوء" و"الأسوأ"، رغم إن المسألة كلها بتدور أصلا بين خيارين هما: النظم الاستبدادية والنظم الدينية، عمرنا ما هانعرف نتقابل أو نلتقي أو نتقاطع أو حتى نتماس من أجل طرح بديل غير الاتنين دول، هانفضل نكرَّس بوعي وبدون وعي، وبعنجهية وقبلية وتعصب للثنائية المقيتة والمقرفة دي..
الأصدقاء اللي دخلوا في المزايدة على بعضهم، وتذكير بعض بأصولهم وانتماءتهم السياسية، وإن دا يساري بس دولجي، ودا يساري ومش قادر يدرك خطورة الظرف السياسي والتاريخي، ودا ليبرالي بس مش قادر يفهم يعني إيه دولة وجماهير كادحة، وإن دا مع الدولة المدنية بس وفق الشريعة الإسلامية.. كل ده في الحقيقة، بيدَخَّلنا في حرب كلامية وتنظيرية وتبريرية، وكأننا بقينا مثقفين ونشطاء سياسيين بالوكالة، وداعمين بالوكالة، ومناصرين بالوكالة.. أنا عارف إن كل واحد عنده مصالحه الشخصية، ولقمة عيشه، وحدود المكان اللي بيعيش فيه أو بيشتغل فيه، وطموحاته، بس برضه نخلي في عنينا حصوة ملح، عشان الناس مش هُبْل!!
هو القمع بيتجزأ؟ هو الاستبداد بيتجزأ؟! هو الظلم بيتجزأ؟! هو الفقر والجهل بيتجزَّأوا؟ هي الانتهازية بتتجزأ؟ عايز تقول لي بقى، إن السياسة فيها كل حاجة؟ أوكي، لكن السياسة على رأس قائمتها وأولوياتها، بتبقى المصالح، والمصالح الوطنية حصرا؟ دا طبعا في الحالة المثالية أو شبه المثالية.. وفي أولوياتها مصالح طبقات وشرائح محددة، ودا في حالات معينة تستلزم معارضة من نوع محدد.. وإذا كنت عايز تقول لي إن السياسة كده، وفيها لعب على التناقضات، واستفادة من كل حاجة، فعندك حق فعلا، وكلنا شايفين الروس والأمريكان والأتراك والصينيين بيلعبوا إزاي على التناقضات وبيستفيدوا من كل حاجة.. فهل عندك حد يعرف يعمل كده؟ عندك حد يقدر يعمل ده؟ مع العلم إن اللعب على التناقضات والاستفادة منها وتوظيفها بيحتاج مش بس عقول وخبرات وشغل منظَّم، وإنما بيحتاج قوة اقتصادية ومالية ونفوذ وتأثير!!
متهيألي إننا بندُوُر في حلقة مفرغة، لأن الأنظمة الاستبدادية بتعلن إنها بتحارب الإرهاب وبتحافظ في نفس الوقت على وحدة الدولة، وهي أصلا سبب الإرهاب، وسبب تفتت الدولة!! يبقى نساند القمع والاستبداد عشان نتخلص من الإرهاب؟ نساند الأنظمة الاستبدادية القمعية عشان الدواعش والإخوان مايجوش للسلطة؟ طب ماهي نفس الأنظمة الاستبدادية دي، طول عمرها بتعلن إنها بتحارب الفساد والتطرف والجريمة والأمية والجهل والتخلف، والإرهاب كمان.. طول عمرها بتعلن عن ده.. هل فعلا هي حاربت ده، ولا هي بحكم تكوينها وانحيازاتها وتركيبتها وتوجهاتها استغلت كال الحاجات دي، وأدارتها، ولعبت مع التطرف والإرهاب وشاركتهم جرائمهم، وأشركتهم في جرائمها؟
لا إيران أحسن من السعودية، ولا السعودية أحسن من إيران.. ولو عايز الحقيقة للآخر، هم الاتنين مش أحسن من إسرائيل، ولا إسرائيل أحسن منهم. دي دول دينية وطائفية كل يوم بتحط مساحيق للمزيد من التجميل، بالظبط زي الدول الاستبدادية اللي كل يوم تتغنى بالحرية والديمقراطية. ومش هانرجع تاني للكلام حوالين تجزئ القمع والاستبداد والطائفية، لكن تبرير الحاجات دي بأدوات كلامية وتنظيرات ولف ودوران، بيخلينا نرجع تاني نلف في الدائرة الجهنمية المغلقة..
ماتقليش من فضلك إن السعودية كانت بتمول الإرهاب.. ما هي قطر كانت بتمول الإرهاب.. ومصر كانت بتدعم طالبان في السبعينيات والتمانينيات.. وفيه دول عربية كتير دعمت الإرهاب في أفغانستان وفي الشيشان بالفلوس وبالكوادر وبوسائل إعلامها!!! وعلى فكرة، أحد أهم أسباب عدم قبول إيران في منظمة شنغهاي، هو إنها بتدعم الإرهاب في طاجيكستان، والروس والصينيين والأتراك وبشار الأسد عارفين ده كويس، لكن عندهم حسابات خاصة مع إيران في ظل التواؤمات السياسية الإقليمية والدولية!!
سعد الحريري قابل سفير روسيا في السعودية، وبعده قابل سفير إيطاليا. وبعدها بيوم قابل رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي، وبعدها سفير فرنسا، وسفير بريطانيا.. ولو الحريري تافه، مكانتش الأزمة دي حصلت في لبنان، وكانت الدولة اللبنانية ضربته بالجزمة ولغت جنسيته وسابته ورا مصنع الكراسي في السعودية.. حاول تبص على الحقيقة، وبلاش تتمسك أوي كده بصورة محددة في دماغك إنت بس، وشايف إنها الحقيقة، أو لازم تكون الحقيقة بصرف النظر عن الواقع واللي بيحصل.. الكلام ماعليهوش جمرك، والخطب العصماء من تخصصنا، والتصريحات والتهديدات العنترية جزء لا يتجزأ من تكويننا.. وبعدين سعودية مين اللي تطلب من إسرائيل تضرب لبنان؟! ما هي إسرائيل كل يوم بتضرب سوريا ولبنان، وطيارانها بيطير في أجواء البلدين! ولما بتعوز تضرب، بتضرب.. يعني آخر بلطجة واستهبال.. بس العناترة دايما بيحتفظوا بحق الرد، أو بيسوَّحوا المواضيع ناحية إنهم قادرين على الرد، وسوف يردون، إنها مؤامرة كونية، إنهم يحرضون علينا! طبعا فيلم ضرب إسرائيل للبنان أو لحزب الله، دا اسمه في السياسة، رفع السقف للمتاجرة لاحقا، إما بانتصارات وهمية اسمها إن إسرائيل لم تجرؤ على الضرب، أو إن قوى عميلة وحقيرة تحرض ضد لبنان وحزب الله.. والهدف هو هدف سياسي داخلي لا علاقة له بما يحدث.. حاول تبص على الموضوع من جميع النواحي والزوايا، وسيبك من العنترية والصمود والتصدي.. وبعدين ما هي إسرائيل قدامهم، ما يروحوا يضربوها بالجزمة، هو إحنا ضد يعني!
وبعدين، هم بتوع الخليج كانوا بيشتروا بيوت وأراضي وبيبنوا أبراج وعمارات وبيعملوا جرانين وقنوات واستثمارات وبيرموا فلوس بالهبل في لبنان خلال الأربعين سنة اللي فاتوا، كده يعني عشان سواد عيون اللبنانيين؟ الحاجة التانية بقى، هم فين زعماء الطوائف والأعراق والأقليات والأكثريات والساسة اللي قاعدين ينظَّروا في لبنان طوال الأربعين سنة اللي فاتوا؟ عايز تقول لي إنهم مكانوش واخدين بالهم من ده، وبيتعاملوا معاه بشكل مريح ومربح جدا؟ وبعدين هو مطلوب إيه من ناس معاهم فلوس وبيشتروا بيها ناس وأراضي وأطيان، مطلوب إنهم يتبرعوا بيها عشان سواد عيون الغلابة والمساكين وأبناء السبيل؟ خليك واقعي، حضرتك، وبلاش تزييط في الزيطة..
ماتقوليش من فضلك، إن اللي أنا باقوله ده تعميم، وكلام فارغ، وإن أحمد مش زي سيدي أحمد.. لأ، ما هي برضه مقارنة "السئ" و"الأكثر سواء" و"الأقل سوء" و"الأسوأ" لها سقف وحدود دنيا وحدود قصوى برضه، وإلا هانبقى بنلخبط كل الأوراق، وبنخدع نفسنا، وبنخدع الآخرين، وكأننا داخلين معارك كلامية لازم ننتصر فيها! وبعدين مين اللي فهِّمَك إن اللي منزعج من إيران، يبقى مع السعودية؟ ومين اللي قال لك إن اللي مش مع الأسد، يبقى مع إسرائيل و"الإمبريالية العالمية"؟! وهم الناس لازم يأكدوا ولاءهم ودعمهم لإيران والأسد وحزب الله، عشان مايتعرضوش لاتهامات جنابك بإنهم شغالين للسعودية وإسرائيل؟! معقول، لسه فيه حد بيفكر كده!!!
مافيش حاجة هاتكسر الحلقة المفرغة دي، غير الابتعاد عن الثنائية الكلاسيكية والاختيار الواحد والوحيد: الدولة الاستبدادية أو الدولة الدينية! مافيش حاجة هاتكسر الدايرة القاتلة دي إلا الابتعاد عن التبرير والازدواجية والمعايير المزدوجة، والتنظيرات والاستمناء الذهني، وفرد العضلات المعرفية "الجبارة" و"والمحملة بالخبرات والظروف التاريخية"..
تعالى بقى لحاجة مهمة أوي. فيه كاتب روسي اسمه إيفان جونتشاروف. أعمال الكاتب ده، لا تقل أهمية عن أعمال دوستويفسكي، إن لم تكن أهم منها بكتييييير أوي. الكاتب ده، ساهم بأعماله الأدبية في إدخال مش بس مصطلحات ميثيولوجية في الحياة الروسية، وإنما كمان أدخل مصطلحات في اللغة الروسية نفسها عن طريق أعماله وأبطاله. الكاتب ده قال في يوم من الأيام: "لا تكتب وأنت غاضب". جملة محيرة أوي. لكن لها ألف معنى ومعنى، وألف دلالة ودلالة. والجملة دي بتقول لنا في وضعنا المهبب ده، لا تعمل في السياسة وأنت غاضب أو متعصب، ولا تعمل في الثورة وأنت هادئ ومتسامح وكأنك مُنظِّر وفيلسوف.
خلونا بس نهدأ كده، ونسمع بعض، أو نقرا لبعض بهدوء، من غير عدمية وفرد عضلات واستعراضات نظرية وتنظيرية..
 

التعليقات