غربلة| سحر عبدالقوي تكتب: ثالوث سخمت-باستت-حتحور وتجليات الألوهية

 

تقول الأسطورة أن الرب "رع" كبير الآلهة غضب على المصريين لأنهم سخروا منه وهو في أرذل العمر وتندروا علي شيخوخته. فأرسل لهم عينه "عين حورس" "سخمت" لتنتقم له. "سخمت" القوية المنتقمة عاثت في الأرض واستلذت بالقتل وأفنت أو كادت أن تفني المصريين عن آخرهم. فندم الرب وقرر أن يضع حدا لعنف وجبروت "سخمت" المتجبرة في انتقامها الدموي فسقاها نبيذا لكي يفقدها صوابها. سكرت "سخمت" وعندما أفاقت حزنت على ما فعله بها أبوها "رع" واتخذت منعزلا تحت شجرة جميز. ثم دخلت إلى الشجرة وخرجت منها متحورة ومختلفة في تجلي آخر أسموه "حتحور".

الأسطورة تعكس تجليات الفهم الفلسفي لدي المصري القديم لطبيعة الآلهة، طبيعة النفس البشرية وتناقضاتها، وطبيعة المرأة التي قدرها المصري القديم حق قدرها واحترم قدرتها علي وهب الحياة وعبدها أيضا في صور وتجليات عدة.

وعندما نقول إن المصري القديم عبد المرأة لا يكون اللفظ دقيقا لأن المصري لم يؤمن ولم يعبد إلا الرب الواحد المعظم ثلاثا (تلاتة بالله العظيم) ولكنه لعمقه فلسف تجليات الرب في الطبيعة وفي النفس وقدوس قدراته المختلفة التي تجلت في مخلوقاته البديعة وطبائعهم الفريدة.

نعود "لسخمت" وتجلياتها: حتحور وباستت

يقال إن "سخمت" هي زوجة المعبود بتاح، وهي ربة البطش في مصر القديمة وعبدت في مصر العليا من عصر ما قبل الأسرات وامتدت عبادتها إلي البطالمة وإلي الشام وليبيا. ليس هذا ما يَهمني. يهمني تحديدا أن سخمت بتجلياتها تمثل التناقض والتضارب في الطبيعة البشرية وفي رؤية المصري لطبيعة الألوهية.

كيف ذاك...لأن المصري القديم ربط "سخمت" بالنفس "كا" وبطبيعة النفس التي يوجد بداخلها الشر والانتقام والبطش وحب السيطرة وفرض القوة والتجبر على الأعداء والتلذذ بأوجاع الضحايا "متمثلا" في سخمت القوية، التي كان يرمز لها بامرأة لها رأس اللبؤة وجسد أنثوي فريد وعلي رأسها قرنان وقرص يرمز لميلاد الشمس كل يوم. وقد احترم المصري القديم اللبؤة وساد احترام اللبؤة في بلاد الشام وليبيا وحتي في حضارة العراق وحضارات بلاد ما وراء النهر، ومازالت حتي اليوم توصف المرأة القوية الناجحة باللبؤة...والعجيب أن المصري اليوم تم مسخه بأفكار البدو الرحل (العبر) من الهكسوس الجدد (العرب) واصبح يستخدم كلمة اللبؤة كسُبة لتدل علي أن المرأة الموصومة بالكلمة عاهرة!

أما حتحور، فهي التي اعتبرها المصريون الوجه الآخر لـ "سخمت" والتجلي الأنثوي الرحيم للطبيعة ربة الموسيقي والحب والجمال والأمومة وهي التي تقابل "أفروديت" عند البطالمة. وهي التجلي الرحيم للطبيعة وهي أيضا التجلي الرحيم للإله عندما يرأف بالبشر. ويُنظر لها أيضا على أنها الوجه المشرق للطبيعة الإنسانية.

أما الربة "باستت" التي صورها المصري القديم على هيئة قطة وكان مركز عبادتها في بوباسطة. فهي اللبؤة قبل التوحش أي سخمت في طور الوداعة، وهي الأنثى المدللة الماكرة، وهي المرأة التي تعرف ما تريد وتجيد تسخير الرجل لتلبية حاجاتها وهو راض وسعيد، وهي الوجه المروض للشر والمكر والمسكنة الأنثوية. فالمرأة تفضل أن تكون باستت، ولكنها تجيد لعب دول ال"سخمت" وهي أيضا تستطيع أن تصبح حتحور المنزهة من الشر. وكلها تصورها المصري كطبائع متفاوتة للنفس البشرية، ولأن البشرية كانت في طور فجر حضارتها تم إلصاق هذه الصفات البشرية المتنوعة بالآلهة عندما كانت الآلهة تعيش مع البشر علي الأرض وتشاركهم حياتهم قبل انفصالهم وانتقالهم للعيش في السماء وهجرهم للبشر منذ زمن "آتون" مرورا بالأديان الإبراهيمية التي أسكنت الرب في السماء ولكنهم جعلوه ينزل إلي خيمة بني إسرائيل ليشاركهم حياتهم واجتماعاتهم ويصارع يعقوب أيضا (انظر العهد القديم)،ويغضب وينتقم بارسال الطوفان علي قوم نوح وتدمير قري وحضارات (قوم لوط، قوم عاد، قوم مدين)، ومرورا بالمسيحية التي جعلت للرب تجلي بشري يأتي ببشارة الخلاص والغفران من الخطيئة التي اقترفها آدم ومغفرة الرب، وصولا إلي أسماء الله الحسني في الإسلام والتي تجمع بين صفات الرحمة (الرحمن الرحيم) وصفات القوة (القوي العظيم المتين) وصفات المكر وصفات الانتقام (المنتقم الجبار المهيمن).

 

غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتو بينما تجاوزه الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في غربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني:[email protected]

التعليقات