غربلة| محمد الشحات يكتب: الحشاشون ومكافحة الإرهاب

 

 

يروى أن صلاح الدين عندما أراد محاربة الحشاشين، أرسل زعيم الحشاشين رشيد الدين سنان مبعوثًا ليفاوض صلاح الدين. ذهب المبعوث إلى قصر السلطان، وأبلغ أن معه رسالة من رشيد الدين سنان شيخ الجبل. أدخل الحراس الرسول إلى بهو السلطنة في حضرة السلطان ومماليكه، وقاضيه الفاضل، والأمراء.

 

قال له السلطان: هات ما عندك، وتكلم. فقال الرسول: لن أتكلم إلا بعد أن تخلي القاعة، وأكون انا وأنت بمفردنا!

وافق صلاح الدين على شرط المبعوث، وأخلى القاعة إلا من مملكوين لم يغادرا القاعة.

قال له صلاح الدين: الآن تكلم. قال له المبعوث: قلت لك لن أتكلم إلا بعد أن تخلي القاعة، وأكون أنا وأنت بمفردنا، ماذا يفعل هذان المملوكان هنا؟

فقال له صلاح الدين: هذان أخلص قوادي، وأنه يعتبرهم كأبنائه.

نظر الرسول إلى المملوكين، وقال لهما لو أمركما الشيخ بقتل صلاح الدين، فهل تطيعان؟ أشهر المملوكان سيفيها في وجه صلاح الدين، وقالا: سمعًا وطاعة!

 

نظر الرسول إلى صلاح الدين، وقال له: هل مازلت تريد محاربتنا؟ هذه رسالتي لك. ثم ذهب.

هذه الواقعة  أثنت صلاح الدين عن محاربة الحشاشين؛ خوفًا من أن يلقى حتفه على يد أمير أو مملوك اخترق الحشاشون عقله. طبعًا القوة العسكرية كانت في كفة صلاح الدين، لكن الذي كان لا يملكه صلاح الدين، كان اختراق العقول!

الحشاشون فرقة أشاعت الرعب والقتل في نفوس قواد وسلاطين وخلفاء القرني الحادي عشر والثاني عشر، كان يتم القتل على يد أخلص قوادهم ومماليكهم. استطاع الحشاشون استمالتهم لمذهبهم.

الحشاشون استولوا علي عشرات القلاع في فارس والشام ووسط آسيا، لم يكن استيلاؤهم بجيوش وحصار، وإنما باستمالة حراس القلاع لمذهبهم.

استمرت دعوة حسن الصباح، بالرغم من قوة الدول المحيطة بهم في العالم الإسلامي والقمع العسكري لهم، لم يدرك سلاطين السلاجقة والأيوبيون والأتابك أن المعركة مع إرهابي هذا العصر بدون معركة فكرية تكون معركة هباء.

هل تعي الأنظمة العربية درس التاريخ، وتدرك أن المعركة مع حشاشي هذا العصر، هي معركة فكرية، وأنهم مع قمع الفكر المحارب لهم باسم حماية الدين، فهم معرضون للاختراق الفكري من قبل الإرهابين لهم.

 

هل نعي درس التاريخ؟ إن لم ندرك من الواقع معطياته، معطيات الواقع  تقول: إن القلب الصلب للأنظمة العربية، المتمثل في الطبقة المتوسطة، وحتى اجهزته الأمنية والجيوش الوطنية، لم يكن بمعزل عن اختراق الأفكار التكفيرية لها.

 

هنا في مصر كان من بين الجهاديين خلال فترة صعود الجماعات الإسلامية وصدامها مع الدولة في الثمانينات والتسعينات التي بدأت ذروتها بقتل الرئيس السادات، ضباطًا في الجيش والشرطة، حتى قادة التنظيمات الإرهابية الدولية، سواء كان تنظيم القاعدة أو داعش، كانوا ضباطًا في المؤسسات الأمنية. مفتي داعش أيضا ضابط شرطة مصري، ومدبر عملية دير الأنبا صمويل كان مقدم بالجيش، هشام عشماوي.

 الأجهزة الأمنية والجيوش هي القلوب الصلبة للدول قبل أن تكون للأنظمة، لهذا تحرص الأنظمة على فرز قيادات تلك الجيوش والأنظمة وضمان ولائهم.

لكن الحرص لم يمنع الأفكار التكفيرية من اختراق عقول صغار الضباط والقيادات الوسطى؛ لأنه مهما كان عزلهم وتهيئتهم ليكون ولاؤهم للوطن فقط، إلا أن ذلك العزل لن يفصلهم شعوريًا وفكريًا عن مجتمعهم المتشرب للأفكار التكفرية التي نجحت في اختراق المجتمع؛ نتيجة الدعم المالي من دول النفط لمروجي تلك الأفكار، وفي المقابل تم محاربة أي فكر تنويري مجابه لتلك الأفكار من قبل هذه الأنظمة.

لذلك سيستمر الإرهاب في الاختراق، إن لم ندرك أهمية المعركة الفكرية مع الأمنية بدون مجابهة الفكر التكفيري، نحن في معركة استنزاف، وليست معركة قضاء على الإرهاب بدون معركة التنوير تكون الحرب علي الارهاب مجرد حرث في بحر.

 

**غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 

  

 

التعليقات