غربلة| حاتم حافظ يكتب: الميراث والإسلام

 

بداية يجب التذكير بفرضية تقول إن مفهوم الحد المذكور في القرآن {تلك حدود الله} يجب أن يُقرأ في ضوء "مقصد الشارع". آيتا الميراث وردتا في سورة سميت باسم النساء. الآيتان اهتمتا بتحديد ما يلزم حصول "النساء" عليه فيما سكتت الآيتان عن أنصبة الرجال بما يوحي ويشي بأن القصدية من التشريع هو حماية المرأة من أي جور أو طغيان محتمل من الرجل، وذلك في عصر شديد الذكورية يعتبر المرأة نفسها متاعا. حتى أنها كانت تقع ضمن الميراث الذي يرثه الرجال! يؤكد ذلك أيضا أن الآيتين وردتا ضمن مجموعة من الآيات توصي بحقوق الزوجة/النساء/ اليتامى. أي أنها ضمن آيات هدفها حماية الأقليات والحلقات الأضعف في المجتمع.

وبالتالي فإن عصيان حدود الله لا يكون إلا في حرمان النساء من أنصبتهم المشروعة، أما زيادتهن فلا يكون تعديا على حدود الله بل على العكس يكون تلبية لقصدية النص الموحي بها أو ما يسمى فقهيا "مقاصد الشريعة". هذه من ناحية.

من ناحية ثانية هل يمكن تعديل تلك الأحكام إذا ما تغيرت الأحوال التي صاحبت نزول الوحي؟! قولا واحدا نعم. ولعل موقف عمر بن الخطاب في مواقف مشهورة دليل على مرونته في التعامل مع الأحكام إذا ما اقتضت الضرورة الواقعية ذلك، فما كان يفهمه عمر من الشريعة عكس ما يفهمه الأصوليون الذين يحفظون أحكام الشريعة كنسق قانوني غير قابل للتفاوض مع الواقع.

فلنأخذ مثلا على ذلك. بحسب الأحكام في الآيتين فإن الرجل إذا مات ولم يكن له ولد كان نصيب المرأة (ربع) الميراث، أما إذا ماتت المرأة ولم يكن لها ولد كان نصيب الرجل (نصف) الميراث. في زمن نزول الوحي كانت المرأة حين يموت زوجها تنتقل ولايتها للأب مرة أخرى أو للأخ الأكبر، هذا من ناحية، وكان منشأ الثروة بالأساس هو الرجل. قبل الإسلام كانت عادة ما تحرم الأرملة من ثروة زوجها بالكلية لكن النص القرآني فرض لها قدرا من المال (الربع كما ذكرنا). هذه الشروط تغيرت الآن، فمن جهة صارت المرأة أكثر استقلالا عن أسرتها، خصوصا إذا ترملت في سن كبير، ومن جهة لم يعد منشأ الثروة هو الرجل في أكثر الأحيان، بمعنى أن كل زوجين يسعيان لتدبير أمورهما طوال حياتهما بشكل مستقل عن عائلة الرجل أو المرأة، أي أن الميراث في الغالب (المسكن - السيارة - مبلغا في البنك - كما في أي أسرة متوسطة) يكون منشأه الرجل والمرأة معا، فكيف إذا مات الرجل تجد المرأة نفسها محكومة بالنص فيما يحصل إخوة زوجها على ثلاثة أرباع الثروة التي لم ينشئوها؟!

ما أقصده هو أن طبيعة المجتمع الذي نزلت عليه تلك الأحكام قد تغير بالكلية، خصوصا في المدينة، فمفهوم الأسرة الكبيرة لم يعد موجودا، ففي المدينة وحدة المجتمع هي الأسرة الصغيرة المكونة من الزوجة وزوجها (وأبنائهما إن أنجبا). الزوجة والزوج ينشآن الثروة ويدبران أمورهما باستقلال عن باقي أفراد المجتمع، فكيف إذا ما مات أحدهما تشارك الآخرون قسمة الميراث؟!

بالأرقام أيضا فإن ثلث الأسر المصرية تقريبا تعولها نساء. من بين كل أربعة زيجات تعقد هناك حالة طلاق، بما يعني أن ربع الأسر المصرية تعيش إما في إعالة الرجل وحده أو المرأة وحدها. فكيف والحال هكذا أن يقسم الميراث على غير الأبناء! كيف إذا ما مات الرجل مثلا حصل إخوته على أنصبة من الميراث خصما من زوجته وأبنائه؟ فالمسألة إذا ليس فقط في أن "للذكر مثل حظ الأنثيين" وإنما أيضا في تعدد المستفيدين من الميراث بحسب الآيات. لقد كان مفهوما هذه المسألة في عالم قبلي لديه مفهومه "العائلي" عن رأس المال، لكنه لم يعد مفهوما في عالم مديني تبدل فيه ذلك المفهوم عن رأس المال وصار رأس المال مفهوما فرديا إن جاز القول.

وأخيرا فإذا كان قصد النص هو حماية المرأة فإن تعديل الحكم في حالات كتلك يحقق قصدية النص أكثر مما يحققه النص نفسه. خصوصا وأن الناس مثلا تغاضوا عن الحكم الوارد في نفس الآيات بخصوص إعطاء أنصبة لمن حضر القسمة من الأقارب. بمعنى أن النص القرآني فرض لمن حضر الوفاة من الأقارب (من خارج المستفيدين من الميراث) نصيبا، فلماذا نتجاهل مثل هذا الحكم ونتمسك بآخر؟! إن الأولى التعامل بمرونة مع النصوص حماية للنصوص نفسها من التصلب، المرونة مع النصوص يقي النصوص نفسها من التحول لنصوص مجمدة مثل النصوص التي تتحدث عن الرقيق وعن ما ملكت الأيمان. إن عالمية القرآن وصلاحيته لكل زمان ومكان هي صلاحية الفهم لا صلاحية النص، بمعنى قابليته للتفاعل مع العالم، أما عزله عن الواقع فإنه لا يلغي الواقع بحال من الأحوال، فما يقره الواقع أن تجارة الرقيق صارت تجارة ممنوعة وأن ما ملكت الأيمان صارت عادة تاريخية نقرأ عنها في الكتب.

هذا من جهة الشريعة.. من جهة الدولة المدنية القانونية فإن القانون لا يسن لمؤمنين، وإنما يسن لمواطنين مختلفين في العقيدة والنوع، وحتى في العقيدة لا يمكن تجاهل أن الناس ليسوا كلهم بدرجة الإيمان نفسها، مواطنين يعيشون في التاريخ وليس منفصلين عنه، والأولى تغير القانون إذا تغيرت الظروف، ووظيفة الحاكم في الدولة الحديثة ليس إدخال الناس الجنة وإنما سعادتهم وصلاح أحوالهم وشروط معاشهم.

 

*غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.. 
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 
 
 
التعليقات