غربلة| معتز أحمد يكتب: مناهضة العنف ضد المرأة العاملة

على مدار الفترة السابقة، شهدنا العديد من جرائم العنف ضد المرأة العاملة، منها جرائم جنسية من أول التحرش الجنسي داخل مواقع العمل حتى الاغتصاب والاغتصاب الجماعي أيضا.

فعلى سبيل المثال، شهد شهر مايو 2015 واقعة اعتداء جنسي جماعي لمعلمة بمدرسة طلعت حرب بمحافظة الجيزة، و في واقعة أخرى تم اغتصاب معلمة مقيمة بدائرة قسم شرطة العامرية بمحافظة الإسكندرية على يد سائق "ميكروباص" ومرافقه بإحدى الزراعات، بعد انتهاء اليوم الدراسي. ناهيك عن كم الهائل من حالات التحرش التي تتعرض لهن العاملات فى كافة أنواع العمل من أول المصانع وحتى البنوك والشركات الكبرى .

بينما تأتي الوقائع المشار إليها أعلاه كمثال لجرائم أخرى ربما لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها، إلا أنها تُظهر العديد من الإشكاليات المتعلقة بغياب السياسات اللازمة التي من شأنها مناهضة التمييز والعنف ضد النساء العاملات.

وتعكس غياب تلك السياسات الثقافة الأبوية المتعلقة بعمل النساء، أو عدم تقبل عملهن بالأحرى بشكل جاد، حيث يقوم المجتمع بطبع دور تقليدي على النساء وهو المكوث في المنزل لرعاية الأسرة، حيث تُترك النساء لمواجهة عواقب عملهن التي لا يجب عليهن تحملها، فالسلامة الجسدية والحق في العمل من الحقوق الأصيلة للنساء اللاتي ناضلن وما زلن يناضلن من أجلها.

وتشير المادة رقم 53 من الدستور الحالي والذي تم التصويت الإيجابي عليه في يناير 2014 على: (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.

التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون، تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.

وبالرغم من تناول عدد من المنظمات والمجموعات النسوية أهمية تلك المفوضية،  وضرورة العمل على تشكيلها بعد انتخاب البرلمان ، بل وطرح مقترح لها ، فإنه لم يتم عمل أي إجراءات تُمكّن من القيام بذلك. وعلاوة على ذلك، يجدر الإشارة إلى أن العنف الجنسي هو النتيجة القصوى للتمييز الواقع على النساء في مجال العمل، والتي يسبقها جرائم أخرى مثل: الحرمان من الترقي للعاملات بالمؤسسات الحكومية أو النقل التعسفي، أو التمييز بسبب الملبس، أو التمييز على أساس النوع الاجتماعي، أو الحرمان من فرص التدريب والزيارات المتبادلة التي من شأنها ثقل خبرات العاملات .

ويعزز القانون المصري من الثقافة الأبوية التي تعاني منها العاملات، سواء كن معلمات أو شاغلات لمناصب حكومية أو أي وظائف أخرى، حيث يسلب الإرادة للنساء ويضع شروطًا لعملهن متعلقة بأوقات العمل، أو حتى المناصب التي يسمح القانون لهن بشغلها، فضلا عن المناسبات والظروف التي تسمح بعملهن، فتنص المادة رقم 89 في قانون العمل رقم 12 لعام 2003 على : (إصدار) الوزير المختص قرارًا بتحديد الأحوال والأعمال والمناسبات التي لا يجوز فيها تشغيل النساء في الفترة ما بين الساعتين السابعة مساءً والسابعة صباحًا، بينما تنص المادة رقم 90 في ذات القانون على: (إصدار) الوزير المختص قرارًا بتحديد الأعمال الضارة بالنساء صحيًا أو أخلاقيًا، وكذلك الأعمال التي لا يجوز تشغيل النساء فيها.

ويرسخ ذلك عدم قبول عمل النساء في النبوبتجيات الليلية على سبيل المثال، وتعزيز الوصمة المجتمعية المتعلقة بذلك، مثلما هو الحال مع الممرضات، اللاتي يتعرضن للعديد من جرائم العنف الجنسي. كما أن القانون المعني يقوم بإقرار وظائف غير مناسبة "أخلاقيًا" للنساء، مما يعزز من مفهوم "الشرف" الذي يتم استخدامه فيما هو متعلق بجرائم العنف الجنسي والذي يؤدي إلى لوم الناجية أو الضحية على الجرائم التي تُقترف بحقها. واللافت للانتباه هو ما تنص عليه المادة الثالثة من القرار رقم 183 لعام 2003 والذي تم نشره بجريدة الوقائع الرسمية في العدد رقم 220 يوم 27 سبتمبر 2003، بعد اطلاع وزير القوى العاملة والهجرة على المادة رقم 89 من قانون العمل رقم 12 لعام 2003: على أنه يجب على صاحب العمل في الحالات التي يتم فيها تشغيل نساء ليلاً أن يوفر ضمانات الحماية والرعاية والانتقال والأمن للنساء العاملات، على أن يصدر هذا الترخيص بالتشغيل ليلاً من مديرية القوى العاملة والهجرة المختصة بعد التحقق من توافر كل الضمانات والشروط سالفة الذكر. وبالرغم من الإشكالية الموجودة بنص تلك المادة، من المثير للاهتمام أن ضرورة توفير التدابير المُشار إليها لا يتم توفيرها بالفعل، حيث لا يتم توفير التنقل الآمن للنساء العاملات، ولا توجد تدابير لمحاسبة من لا يعمل على توفيرها التزاما بالقانون المنصوص عليه.

وعليه، توجد ضرورة ملحة لقيام الدولة بطرح وتفعيل سياسات تضمن حق النساء العاملات في عدم التعرض للتمييز على أي أساس، مع طرح آلية تضمن المحاسبة والمساءلة لمرتكبي جرائم التمييز أو المعاملة التعسفية أو جرائم العنف الجنسي، سواء من قبل فاعلي الدولة أو الأفراد بالمجتمع، ويجب تضمين آلية لمحاسبة العنف الممارس في المجال العام من قبل فاعلي الدولة في الإستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء المُشار إليها أعلاه، مع إيجاد تدابير لتعميم تلك الإجراءات على المؤسسات الحكومية جميعًا لدى الدولة، وممارسة الوصمة المجتمعية لمن يخالف ذلك من خلال نشر وقائع تلك الجرائم بشفافية، حيث سينتج عن ذلك الحد من تلك الجرائم وإلحاق وصمة مجتمعية سواء بمرتكبي تلك الجرائم أو من يتخاذلون في القيام بتوفير تلك التدابير وعدم اتباعهم لمبدأ تكافؤ الفرص وتوفير المناخ الذي سيسهم فى عمل ذلك، بدلا من إلحاق تلك الوصمة بنساء يمارسن حقهن الطبيعي في العمل ومشاركتهن في مجال عام تنص أبسط الحقوق أن يكون مرحبًا بهن وآمنًا لهن.

(مصادر: مؤسسة المرأة الجديدة )

غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected]
 
التعليقات