غربلة| فهمي بلطي يكتب: كائنات ضئيلة وهشة

نحن كائنات ضئيلة تائهة و هشّة , لا تتعمْلق إلّا عن طريق المجاز , المجاز ليس حقيقة و لكنّه إيهام بمعنى آخر, إيهام سرعان ما يختفي بعد أن يجعلنا للحظات وجيزة مصابين بالدّهشة جرّاء هذا المعنى المخالف للحقيقة أو المناقض لها ... لا يمكن أن نأخذ المجاز على محمل الجدّ إلّا في تلك اللّحظات الخاطفة , قد يعلق شيء من ذلك داخل أذهاننا لأمد طويل , لكنّ الوعي بعدم حقيقيّة ذلك يظلّ قائما بصفة دائمة جنبا إلى جنب مع هذا المعنى الجديد , 
 
المجاز ضرب من ضروب الفكاهة في نهاية الأمر , بما في ذلك المجازات المؤلمة و المخيفة و الصّادمة و التّي لا يجدر تسميتها من وجهة نظري بالفكاهة السّوداء , الفكاهة هي الفكاهة فحسب , و هي سوداء و بيضاء في الآن ذاته, 
 
خذ النّكتة مثلا , إنّها مهما كانت لذيذة و مبهجة فهي تحمل بين طيّاتها شيئا من التّراجيديا, كذلك المجاز مهما كان هائلا و مذهلا و مرعبا فهو فكاهيّ في نهاية الأمر باعتباره قائما على شيء من الإيهام و " الكذب" و المبالغة , أيّ فكاهة في العالم هي ضرب من ضروب المبالغة القائم على مبدإ الكونتراست , على لعبة الطّباق , بوجه أبيض و قفا أسود ... 
 
أمّا نحن فكائنات ضئيلة و حزينة يا رفاق , مللنا من الأحجام الثاّبتة للأشياء , و بسبب هذه الرّتابة لا غير , نحن نغيّر الأحجام بأنّ نصغّر في ذاك و نكبّر في تاك , بأن نخفي ذاك و نجعل تاك بحجم المطلق , عن طريق هذا المجاز الفاني لا غير .. لا تصدّقونا كثيرا فتبــْأسوا أو تعبسوا أو تطالبوا بأجسادنا وراء القضبان
 
 
 
غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected]
 

 

التعليقات