غربلة| سحر عبدالقوي تكتب: تأثير نوال السعداوي

 
احتلت دكتورة نوال السعداوي مرحلة مهمة من حياتي. قرأت كتاباتها جنبا إلي جنب وأنا أدرس للماجستير. كانت كتاباتها شمسا في ظلمات وعيي الغارق في الخرافات، مخاوف الأنوثة، الصراعات النفسية وتحديات المجتمع للأنثي. كانت كتاباتها تفكيكا بسيطا للوغاريتمات المأساة الأنثوية في المجتمع المصري بشكل خاص ،العربي بشكل عام ،ودول العالم الثالث بشكل أكثر عموما.
 
كنت مبهورة بنموذج السعداوي التي تجرأت علي التابوهات في فترات بعيدة_ في الستينات_ عندما أصدرت كتابها المرأة والجنس أو المرأة والصراع النفسي وناقشت فيه قضايا عندما نقترب منها اليوم في الألفينات يتهمونا بالجرأة حينا وبالصدامية حينا وبالبجاحة أحيانا مثل اشكالية العذرية وأبعادها الطبية والاجتماعية والنفسية في المجتمع المصري.
 
ولشدة إعجابي بنموذج السعداوي النسوي المصري الذي يمثل الموجة الثانية من حركة النسوية العالمية بدأت في الاستزادة مما كتبت فمررت علي كتابها "الرجل والجنس" والمرأة هي الأصل" ورواياتها "امرأة عند نقطة الصفر" وموت الرجل الوحيد علي الأرض" و "ليس لها مكان في الجنة" وغيرها من الكتب والأطروحات التي تقدم ما نخاف أن نقترب منه في خلوات أفكارنا سرا. امرأة تعرضت في سبيل مبادئها للسجن هي امرأة أقوي من الرجال الذين يخشي الواحد منهم أن يتلفظ برأيه علي صفحته علي الفيسبوك مخافة أن يخسر التفاف الناس ومخافة مغبة الخروج من القطيع والتعرض للنبذ المجتمعي! امرأة كتلك تستحق اعجابي أنا علي الأقل وأحترمها حتي ولو لم أتفق مع كل أفكارها اليسارية.
 
لذلك فكرت في وقت ما أن أجعل موضوع رسالتي للدكتوراه دراسة روايات لها ومقارنتها بروايات لكاتبة نسوية كـ أنجيلا كارتر او فيرجينيا وولف او جينيت ونترسون او توني موريسون حتي من منظور نسوي.
 
ولكن......منذ أن تفوهت بالفكرة بدأ التقريع حولي والتنابذ وبدأت أُعَيَّر بإعجابي بالدكتورة نوال السعداوي. وبدأت أُعَيَّر أيضا بنسويتي التي أتبناها كأحد مباديء الفكر الملهمة بالنسبة لي ونقاط انطلاقي الفكرية. وبدأت أسمع (في الحقل الأكاديمي) تقريع وسخرية من أفكاري. وتساؤلات عجيبة واندهاش وبدأت أري أفواها فاغرة لأنهم مستعجبين من إعجابي بفكر السعداوي وسيمون ديبوفوار. لأنهم يعتبرون جميعا أن السعداوي وأي امرأة تختار المعترك النسوى لرفع الظلم عن الأنوثة هي محض امرأة معقدة كارهة لجنس الرجال وشاذة وهي كذلك لأنها "وحشة" شكلا. وقيل لي "إنتي حلوة مالك بنوال السعداوي؟"!!
 
كنت عندما أستمع لحديث تلفزيوني للدكتورة السعداوي أبدي إعجابا بينما يَسُبُّها أبي وكل رجل عبر حياتي كره إعجابي بها وتوجس لأنها _في نظرهم_ عجوز شمطاء. بينما أنا أراها امرأة حكيمة، هادئة، متزنة تعتمد علي المنطق في الحكم علي الأشياء وتجيد تعرية متناقضات المجتمع وتريد الخير لكل النساء وأجحفت حقها النساء واعتبرنها أيضا أنها معقدة لأنها "وحشة" شكلا .
 
إن الدكتورة السعداوي جميلة وقوية وهي في العقد الثامن من عمرها وهي التي اختارت بمحض إرادتها أن تبقي علي شكلها طبيعيا بدون الخضوع لجراحات تجميل لتزيف عمرها_ وأنا أحترم ذلك، وكنت سأحترمها أيضا لو اختارت أن تظل شابة الوجه للأبد_ لكنها تبدو جميلة كامرأة في الثمانين تشع حيوية وطاقة وعطاء. الدكتورة السعداوي التي تزوجت مرتين وأنجبت مرتين اتهموها بكراهية الرجال!
 
لذلك اخترت أنا أن ابتعد عن هذا الطريق الشائك أكاديميا.. وتركت التخصص كله خشية أن تتحول جلسات المناقشة لاتهامات لي بأني معقدة وشاذة مثل السعداوي وسيمون دي بوفوار وغيرهم ممن يراهم رجال مجتمعنا معقدين وشواذ لانهن يطالبن بالمساواة. ولكي لا أجد من يتندر بأنني معقدة لأنني لم أتزوج وتتحول الحكاية لتراشق واتهامات وغمز ولمز بدلا من الحصول علي الدرجة العلمية. فآثرت السلامة.
 
لكن السؤال الذي لم يبرح مخيلتي...لماذا يستغرب رجالنا الأفذاذ أن تحاول المرأة في عصرنا أن تنتصر لنفسها؟ ولماذا يستغربون رفضنا السجود للبطريركية (التي خضعت لها المرأة بعمليات غسيل دماغ دينية ممنهجة) ويستنكرون أن تتوجه بوصلاتنا للمطرياركية (الأمومية) بالفطرة؟ ثم معضلة أخري كبري: لماذا تتجني النسويات في بلادي علي النسوية ويشوهونها هكذا؟ لا أعرف أين الإجابة.
 
 
 
** غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.. 
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 
 
التعليقات