غربلة| محمد الشحات يكتب: نغمة نشاز إعلان للحرية

 

قال رجل يهودي لسلمان الفارس في يوم من الأيام: "أو علمكم محمد كل شئ حتي الدخول في الخلاء؟"

قال سلمان:  بلي أمرنا ألا نستقبل القبلة وأن نستجمر ثلاث ولا نذكر الله ونحن في الخلاء.

هذه القصة استدل بها الأصوليون علي اشتمال الشريعة لشتى تفاصيل الحياة لكني أراه تصور شمولي لايترك أي مساحة للإنسان، حتي لوكانت الطريقة التي يخرج بها بوله وخرائه تصور لايسمح الإنسان بإبراز إنسانيته المتجسدة في إختلافه تصور معادي للإنسانية بتجليتها في الثقافة والحرية والعقل.

تصور يريد أن يصهر البشر ويسبكهم علي شكل وهيئة واحدة ينزع عنهم إنسانيتهم ويجعلهم مجرد ألات. المبشرين بهذا النموذج الشمولي الأتي من السموات السبع  تجدهم معارضين للنظم الشمولية الديكتاتورية العسكرية أو ذات الخلفية العسكرية لكنهم لايدركون أن الشمولية الدينية في جوهرها عسكرية أيضا. العسكرية هي روح الديكتاتوريات والفاشيات بكافة أشكالها وصورها، والفاشية الدينية والعسكرية ماهي إلا أشكال منبثقة من ثقافة متجذر فيها المطلق ومهيمن علي التفكير نمط يجعل كل مختلف عدوا مبينا.

يقول موسوليني إن الفاشية لايمكن أن تعيش إلا في وجود أعداء. فالعدو يوحد  الصفوف يصهر الأفراد في كتلة واحدة حتي لايتم اختراق الصفوف من العدو. في الحرب لامكان للاختلاف فهو خيانة. في الحرب يمكنك نزع الإنسان من كل ما يجعله إنسانا تنزع منه الحرية والكرامة والعقل  والحب. تنزع منه كل هذه الأشياء لتجعله آلة مبرمجة.لذلك لابد من حرب وأعداء دائمين لتعيش الفاشية.

إنه نفس التصور والرؤية التي يراها موسوليني واجبة ليعيش حزبه، أجدها عند خطباء المساجد وهم يدعون اللهم انصرنا علي القوم الكافرين. وأنا اسئل نفسي لماذا نختزل علاقتنا مع الاخر في الحرب؟ هل نحن أمة هداية ام قهر؟! من الطبيعي أن نقهر الكفر ونقضي عليه كممثل للشر ونحن ممثلين للخير والإيمان، لكن هل هداية الكافرين انتصار وقهر لهم أم قهر الكافرين هو المبتغي. الفاشية روحها  في العدو بدون عدو يكون مواتها  وكل عدو هو من يخرج من القطيع ويصدع بحريته ويقول لا عندما تخرج آمين الخنوع مع زفرات الصدر.

تصور العدو  الدائم هو أيضا يشكل العمود الرئيسي للخطاب الرسمي  المحارب للفاشية  الدينية  تصور يجعله يتوهم وهو صادق في توهمه أن كل من يختلف معه في رؤياه هم أهل الشر هم الأشرار المتأمرون، لا ينبغي لأي صوت ينشز عن النغمة ويزعج محارب أهل الشر من ينشز هو خائن لايستحق نعمة الوطنية.  ربما يستحق عصا الطاعة علي أم رأسه من ينشز عن النغمة الوطنية والدينية، مخلوطة أو متحالفة أو متصارعة، هو خائن منبوذ لكن نبذه هو بمثابة إعلان الحرية.

 

** غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.. 
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 
 
التعليقات