غربلة| رباب كمال تكتب: إقحام الدين في الصرف الصحي!

 

يبدأ الإعلان التليفزيوني جولته في قرى مصر و نجوعها و يُصاحب الإعلان  صوت مذيع رخيم، يحدثنا عن أزمة الصرف الصحي و شبكات المجاري  في مصر ـ طامعًا طامحًا لجيوب المتبرعين ، وهنا يسأل مذيع الإعلان هل هذا الوضع من الدين؟

مهلا، هل كانت أنظمة الصرف الصحي و شبكات المجاري الأرضية  والمراحيض على شاكلتها المتطورة الآن موجودة في زمن الرسل و الأنبياء و الدعوة ؟!

بما أنني أنتمي لخلفية وأصول إسلامية، فأشعر بأنه لزامٌ عليّ أن أخبر السادة المعلنين الذين داعبوا المشاعر الدينية بأن آداب قضاء الحاجة في الإسلام خلى تمامًا من بناء شبكة صرف صحي و جاء في تلك الآداب ما يلي :

عدم استقبال قبلة الصلاة عند البول والغائط كما ورد في مسلم، وهنا قد يجد البعض نفسه في مشكلة إن كانت مراحيضهم مواجهه للقبلة،  فماذا هم فاعلون ؟

إن كان رجلا، فلا يمس ذكره بيمينه كما جاء في البخاري.

ألا تزيل النجاسة باليمين بل بيدك اليسرى كما جاء في البخاري.

 - و في الاستجمار (أي إزالة النجاسة)  تُستخدم الحجارة أو غيرها حسب ما جاء في البخاري.

ألا نلقي السلام أو نرد السلام أثناء قضاء الحاجة حتى لا يُذكر اسم الله أثناء قضاء الحاجة كما روى ابن ماجه و كما ورد في صحيح الجامع .

ألا نكشف عوراتنا و نرفع ثيابنا إلا بعد أن ندنو من الأرض كما رواه الترمذي وورد في صحيح الجامع.

إن كان الإعلان معنيًا برأي الدين في قضاء الحاجة،  فكان على المعلنين أن يُعلنوا الناس بآداب قضاء الحاجة في الخلاء لأنه بكل بساطة لم تكن هناك مراحيض وشبكات صرف صحي متطورة حينذاك.  

لقد غاب عن المعلنين الذين قرروا أن يقحموا الدين في شبكات الصرف الصحي أن تتطور هذه الأنظمة نتج عن تطور الحضارة البشرية التي تبحث عن راحة الإنسان على الأرض وأن هذا التطور الهائل و الطفرة الحديثة شهدتها أوروبا مع بدايات الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر و تنامي المدن بشكل سريع، وذلك  للقضاء على تفشي الأمراض مثل التيفويد والكوليرا ومواجهة تلوث المسطحات المائية و بالتأكيد كانت هناك أنطمة بدائية للمراحيض في الحضارات القديمة .

يعتبر تطور شبكات الصرف و تطور المراحيض .. مقياسًا للتحضر و تطورًا  للبشرية، ولا علاقة  للدين بالمرحاض الغربي تحديدًا بل قد يُعتبر المرحاض بدعة وكل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار، ولكن ضلالة المرحاض وشبكات الصرف الصحي  راقت لنا  لما وفرته لنا من آدمية، وهنا يتضح لنا أن البدع ليست ضلالة بل اختراعات تحترم إنسانية البشر، لكن المعلنين لسبب ما قرروا أن الصرف الصحي والمرحاض من الدين !

لابد أن تعمل مصر جاهدة على مد شبكات صرف صحي حديثة لائقة للقرى والنجوع والأحياء الشعبية والفقيرة وسأكون أول المتبرعين ليس لأنه من الدين ولكن لأنه من صحيح الإنسانية في القرن الحادي والعشرين .

 

** غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.. 

 

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected]
التعليقات