غربلة| لميس فايد تكتب: التصوف النسوي وتفسير الدين

 

 

لعل فكرة التعدديّة الدينّية تعد الأهم في وقتنا الحاضر، حيث أن جُلّ مشاكل العالم العربيّ والإسلاميّ تتقاطع مع الدين وتفسيراته. سأطرح فكرة هي وليدة ترجمتيّ العربية لكتاب "روحيّ أنثى، الأنوثّة في الإسلام" للمستشرقة الكبيرة انّا ماريّ شيمل، وترجمته عن الألمانية وصدر في الكتب خان أبريل عام 2016. لاشك أن الكتاب قدّم أفكارا جديدة على تديّن وتصوف العالم العربيّ، حيث اعتمدت الكاتبة على النصوص والتجارب الصوفية لجنوب شرق آسيا -ولاسيما التصوف والتديّن الشعبي لشبه القارة الهندية باكستان وفارس على وجه الخصوص- وقد أشارت الكاتبة في أكثر من موضع في الكتاب أن بعض الرؤى الصوفية وتدين الصوفية في تلك المنطقة من العالم يعد صادماً الآن للعقل الإسلامي بشكل عام بعد تسلّفه وللعقل العربيّ المسلم بشكل خاص.

دائما ما يُوصم الإسلام بكونه دينا معاد للمرأة، ويمارس عنفاً فقهياً وتفسيرياً عليها. لاشك أن تلك الرؤية قد نبعت وترسّخت من مفسّري ولاهوتيين ذكوراً احتكروا تفسير الدين للمرأة وتقديمه لها كوجبة أخيرة لا جدال فيها. ويُنسب الفضل لشيمل "مؤمنة آل فرعون"أو "أم هُريرة" كما أطلق عليها الأتراك في تقديم التصوف للغرب، وإزالة الغبار عن نصوص تصوف شبه القارة الهندية بلغاتها الأصلية الفارسيّة، السنديّة، البنجابيّة، الأوردو، والبنغاليّة لكشف وجه آخر للإسلام يحمل روحاً أنثوية غاية في الرقة والشفافة. وهو ما نجحت في تقديمه عبر مقالاتها ومحاضراتها وكتبها، ولكن يقف كتابها الفريد "روحي أنثى، الأنوثة في الإسلام" كعلامة فارقة في طرح ومناقشة أفكار لاهوتيّة وصوفيّة عميقة من نصوص وأدب شبه القارة الهنديّة. وأسجّل هنا أن تلك الترجمة العربيّة قد عرضت ربما للمرة الأولى نصوص وقصص صوفي لكبار صوفيّة باكستان والهند  إلى قاريئ العربيّة أمثال: شاه عبد اللطيف، وحيد الدين أنواري، وفريد الدين بابا، وغيرهم من المعروفين مثل نظام الدين أوليا ومعين الدين ششتيّ. هذا القصص والأدب الصوفيّ الثريّ شكّل إيمان وتدين ملايين من المسلمين الغير عرب حتى وقت قريب، ولا أبالغ حين أقول أن هذه العقلية الصوفيّة قد صاغت حضارات وممالك وسلاطين شبه القارة الهنديّة، وتجلّى ذلك في المنمنات، والأدب، والعمارة، والفن. لعبت المرأة دوراً هاماً في الأدب الصوفيّ للممالك الهند الإسلاميّة وكانت حاضرة ومؤثّرة ليست فقط بالرمز ولكن حاضرة بقلمها وعقلها في إنتاج أدب وشعر وتفسيرات صوفيّة والتعليق عليها، وسأسترعرض في المحاضرة شيئا من هذا التراث أمثال الأميرة زيب النساء، والشاعرة مهستيّ، وغيرهن من البيت المالك.

عنصر الأنوثة في التصوف الإسلامي هو عنصر قديكون جديد على القارئ العربي،بالغم من تناول كبار الصوفيّة العرب هذا الموضوع أمثال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربيّ، إلا أن هذا الموضوع الشائك تناوله صوفيّة من غير العرب بدقة وعمق كبيرين على يد متصوفة شبه القارة الهنديّة من خلال الآداب الأرديّة، البنجابية، السندية واالبنغاليّة والفارسيّة. ولايمكننا أن ننكر بأي حال من الأحوال دور الديانات السابقة على الإسلام في شبه القارة الهنديّة حيث صاغ كبار صوفيها بعض الأفكار الصوفيّة منها قوالب إسلاميّة،مماساعد إلى حد كبير في التعايش بين الإسلام والديانات الأخرى العريقة المحليّة مثل: الهندوسيّة والبوذيّة والشامانيّة. ولأن في تاريخ الأديان نجد صيغ التعددية الدينية في الأديان الوثنية التي تفتقر إلى

كالهندوسية والأديان السابقة على الإسلام في أواسط آسيا، حيث لا يحتاج الدين إلى تفسير موّحد. ولعل تلك الخلفيّة الدينيّةاMonomyth

هي التي اكسبت التصوف الإسلامي بل وإسلام تلك المناطق هذا الطابع، وكان سبب أيضا في تعرّض الكتاب للهجوم عليه ونقده، ونزع الإسلام عن ذلك السياق، وإحالته إلى سياق ثقافي. وهذا كلام مردود عليه أن الثقة بالنفس التي اكتسبها الفرد من الدين الحنيف والدعوة الشاملة التي وجهها الإسلام حثّ المسلمين اينما كانوا على النظر إلى الفوارق الدينيّة والثقافيّة بمثابة مصدر ثراء لهم. وهو صلب التعدديّة الدينية بمفهمومها الحديث. الحديث عن التعدديّة الدينيّة يعني القدرة على رؤية "الآخر" ليس فقط كمختلف ولكن في فهمه وحدته ومكزناته والتفاعل معاها. وهذا بالفعل ماقام به الصوفيّة بامتداد العالم الإسلاميّ سواء كان في الإتصال مع الرهبان المسيحين في البلاد صاحبة ميلاد المسيحيّة الشرقيّة كالسريان والآشوريين والرهبان الأقباط، وكانت مصدر الهام لهم بمكونتها الدينية والفنيّة. ولكن ما حدث مع إسلام شبه القارة الهنديّة كان أكثر تعقيداً وللأسف لم يُدرس جيدا في العالم العربي الإسلامي، حتى في سياق الدراسات العربيّة والإسلامية في معاهد الغرب يُدرس إسلام وحضارة شبه القارة الهندية تحت إطار الدراسات الهنديّة أو جنوب شرق آسيا. وإن كان لنا الحديث عن تعدديّة دينيّة داخل الدين الواحد وهو الإسلام كان من باب أولى دراسة إسلام شبه القارة الهندية جيدا في جامعتنا العربيّة وهذا لن يحدث دون إهتمام حقيق بلغات جنوب شبه القارة الهندية وترجمة آدابها الصوفيّة مثلما فعل الراحل عبد الوهاب عزّام فينقله لتراث محمد إقبال إلى العربيّة.

ولعل ما يهمنّا في هذا السياق هو الحضور الأنثويّ القويّ في تصوف شبه القارة الهنديّة الذي بذلت فيه آنا ماري شمل جهدا جهيدا للخروج بهذه الصورة ومايحدثه هذا لكتاب من "إفاقة" لدي الكثير يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من التفسيرات التي تخص المرأة المسلمة. ويدفعنا إلى إعادة النظر في الموروث الديني والثقافي لدي المسلمين العرب والإسلام. تكشف نصوص وخواطر متصوفة جنوب شبه القارة الهنديّة عن رؤية بالغة الحساسية للأنوثة كونها تجلي إلهي، وكونها مرتبة وشرف للمريد أن تكون روحه أنثوية، رغم حمل المريدين وأهل الطريق لقب "رجال الله" رجالا ونساء على حد سواء، وهناك متصوفات ارتدين لبس الرجال.. لكن يظل التصوف معنياً بالروح وليس بالجنوسّة، مع تبجيل الأنوثة تبجيلا خاصاً. على سبيل المثال لا الحصر تسلط الكاتبة الضوء على تفسيرات صوفيّة عميقة لبعض آيات القرآن التي تتناول "الأنثى" وتستعين في ذلك بمصطلحات من الفلسفات الشرقيّة الأخرى مثل مفهوم "اليانج والين" في الفلسفة الصينية، مع الإشارة إلى شخصيات النساء في القرأن وعلى رأسهن السيدة مريم العذراء وملكة سبأ، وتأتي "إمرأة فرعون" المعروفة تراثيا "بزليخا" لتحتل مكانة خاصة في الشعر الصوفيّ الغير عربيّ في جنوب شبه القارة الهندية، فماتركه لنا الشاعر الفارسي الكبير "الفردوسيّ" من ملحمة "يوسف وزليخا" يقف شاهدا على تفاعل غير عادي مع القصص القرآني بفهم حر..فزليخا هي العاشقة التي أحرقها حب الله المتمثل في جمال يوسف كما تناولها الشعراء الفرس والبنغال وغيرهم.

ويتأكّد عنصر الأنوثة في القرآن في لفظة "النفس" المؤنثة التي عليها أن تتخلص من نجاسات الباطن حتى تصبح "نفس مطمئنة" وعليها أن تنتصر على النفس اللّوامة والإمارة بالسوء. كما تشير سريعا إلى فكرة هامة هي فكرة الغوص في الإلهيّ عن طريق العلاقة الجنسيّة الذي لا يتحقق إلا للمختارين، كما وصفه الإمام أبو حامد الغزالي توفي 1111. وتترى عناصر الأنوثة من طمث وحمل وولادة ورضاعة متماثلة مع مراتب روحية سامية.فالولادة كونها تجربة محوريّة في حياة المرأة، فهي تحمل مفهوما روحيا عميقا متمثلا في" إعادة الميلاد الروحي" وخوض الآلآم مخاضه. ويستعير مولانا جلال الدين الرومي البلخي عنصر الرضاعة للتعبير عن إرتشاف الحكمة الإلهية والنضوج الروحي. ويتكثّف الحضور الأنثويّ مع أقدس أماكن الإسلام وهو "الكعبة" التي عبّر عنها ابن عربي في "ترجمان الأشواق" كامرأة خفر ملتشحة بالسواد اذابت قلوب العاشقين وطلبوها من كل ركن. ومع نفض الغبار عن الحضور الأنثوي في الإسلام يتضح مفهوم القطبيّة في الحياة بين "الذكورة" و"الأنوثة" حيث تكون روح العاشق الباحث عن الله كروح الحبيبية التي تخوض رحلات وعرة للوصول اليه أو الموت في الطريق اليه، وذلك العنصر تحديدا هو التيمة التي قامت عليها أشعار الصوفي السندي الكبير شاه عبد اللطيف "رومي السند" في أساطير الجب السبع.

طوال قرون احتكر العقل العربيّ المسلم الكلام باسم الإسلام وتقديم نفسه كالممثّل الشرعي للحديث عنه، بسبب اللغة العربية، وتم تهميش التديّن الإسلامي الغير عربيّ، رغم كون المسلمين العرب أقليّة فيه، ومن خلال مشاركتي في تقديم الكتاب في أكثر من لقاء وندوة كان هناك شعور عام بالصدمة من بعض الرؤى التي وردت في الكتاب ووصمه البعض بالرومانسية الدينية... لهذا أرى انه من المفيد طرح افكار الكتاب في إطار التعددّية الدينيّة لفهم قراءة جديدة للإسلام تمس المرأة ووضعها الروحي والأدبي في المجتمعات العربية قبل التطرّق للحقوق والواجبات وقوانين الأحوال الشخصية، دون استعادة حقيقة لفهم الأنوثة وتحريرها من فقه الحيض والنفاس ووصمها بالنجاسة وكبتها على المستوى الدينيّ وهو فضاء غاية في الحساسية، حيث تفقد المرأة تفاعلها مع الله الرحيم بثقة عليها إستعادة الثقة بالنفس في كونها قادرة على الإرتقاء الروحي ومن ثم القيادة الروحية، وهذا لن يحدث دون فهم عميق بالأنوثة، وتنحية "الخوف من المرأة وكونها مصدر الشرور وأداة إفساد" وصاحبة الخطيئة الأولى التي سكت عنها القرآن ..وإستعادة دور السيدة خديجة التي كانت أوّل من آمن بالوحي ووهبت نبي الإسلام الثقة في رؤياه.

ربما يفهم البعض وجهة نظري على أنها دعوة "لتأنيث الإسلام" ولكن هل يجب تذكير المؤنث في خلقته ليصبح مناسبا؟ الحضور الأنثوي موجود في الإسلام ويحتاج إلى عقليات ذات خلفيات ثقافية متباينة للخروج بقرءات مختلفة لدين واحد وهذا هو لب التعدديّة .ولكن قبل أن يساء فهم الدعوة من قبل السلطات السياسية والتأثيرات الغربية على التحولات السياسية في العالم العربي الإسلامي من دعم وجهت نظر معينة للإنتفاع منها سياسيا وحقوقيا أو تشويها للإسلام كما قدمت قراءة كتاب د-شحاتة صيام في كتابه " الحريم الصوفيّ، ضلالات حجاج الأضرحة". ولا تعطي اللغة العربيّة كونها لغة القرآن السلطة في فرض قراءة معينة للإسلام على المسلمين من غير العرب وتقزّيم اجتهادهم بدعوى الشطط والبعد عن الإيمان الأثودوكسي. يحتاج الإسلام إلى حوار داخلي بين طوائفه وبين قرءات الإسلام المختلفة من العالم الإسلامي ولم يوجد ولن يوجد مثل التصوّف كملتقى للثقافات الإسلامية شرقا وغبرا كونه تجربة فردية في الأساس، تقوم على رحلة الفرد الشخصية مع الله مطبوعة بمحيطه الثقافي ومفرداته المعرفيّ’ في التعبير عن أفكاره ورؤاه العلويّة. ومحاولة وصم تلك القراءات "الناعمة" أو الأنثوية للإسلام بالرومانسيّة والتقليل منها خطأ فادح، يتيح في نفس الوقت الشرعية للتطرف بالوجود والتأميّن بشكل غير مباشر على أنه الممثل الشرعيّ لتراهات التراث وتحويل الهامش إلى متن، وتمهيش القراءات الكبرى للإسلام التي أفرزت أعظم حضاراته فنا وأدبا وشعرا وموسيقا وتصوفا وعمارة متمثلة في سلاطين وممالك الهند الإسلامية.

 

 

بيليوفجرافيا:

آناماري شمل، روحي أنثى: الأنوثة في الإسلام، الكتب خان-القاهرة، 2016

شحاتة صيام، "الحريم الصوفيّ وتأنيث الدين، ضلالات حجاج الأضرحة" –روافد للنشر والتوزيع-القاهرة، 2013

علي بارادك أوغلو، "التعدديّة الدينية، التعايش في ظل الفوارق" –إنسانية الحضارة الإسلامية

أبحاث ووقائع المؤتمر العام السابع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في الفترة من 174-20 أبريل 2005م

ص 108-120.

عزيز الحلاّق، التعددية الدينية وعلم لاهوت الأديان، المشرق-بيروت-1996

Religion Past and Present, Encyclopedia of Theology and Religions, Brill,Leiden, Boston, vol 10, 172-177

 

*لميس فايد-طالبة دكتوراة بجامعة هامبورج-المانيا وباحثة ومترجمة. 



** غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني [email protected] 

 
 
التعليقات