غربلة| محمد الشحات يكتب: ملعون ذلك العالم الذي يجعلك تنكرين أنوثتك لتعيشي‎

 

تابعت مأساة بهية المحزنة ومن قبلها صيصا. مأسي لأمرتين أوقعهما قدرهما التعس أن يولدها في عالم حملهما للتنكر من الذات والهوية لكي يحيا و ينتزعن لقيمات من أنياب الضنك، ضنك المعيشة وقبله ضنك العقول التي جعلت من وجود كل أنثي عاراً وسبه  لمجرد إنها أنثى.

قدر "صيصا" و"بهية" وغيرهما لا نعلمهن الله يعلمهم انهما أوجدا في مجتمع سلبهن حقهن في التعليم والحياة وجعل  اساس وجودهن  وتحقيق ذاتهن في البحث عن ظل الرجل فالمرأة في مجتمع  معيار نجاحه للمرأة ليس الثقافة أو الفكر أو العمل إنما في النجاح في الإيواء تحت ظل الرجل حتي لو كان عربيدا أو مدمنا أو مجرم مجنون يسقيها الوان العذاب وكاسات الذل.

مجتمع قبل أن يحاصره الفقر يحاصر المرأة بمجموعة من الأفكار والتقاليد العفنة والبالية أتت في أوراق صفراء من زمن الأقدمين، مجتمع يحاصرها بمجموعة من اللحي والعقول المكبوتة لا همّ لهم سوي جسدها وتبشريها باللعنات وحبسها داخل خيام سوداء مقيتة، المرأة العاملة فيه تعيش في لعنة لاتسلم فيه من عيون الذئاب وأياديهم  قبل عقولهم المكبوتة بأفكار ظلامية عبارة عن ظلامة يرونها تكريم.

أتذكر يوما أني كنت أجلس في حافلة للنقل العام وورائي إمرأة تنادي "محمود محمود"، التفت ظنا مني أنها تناديني لأجد أنها تكلم امرأة أمامي "هننزل هنا".

ترد المرأة "قدام يايوسف". شعرت بالأسي لهن! يالله ماهذه الثقافة الملعونة  التي تجعل الإنسان ينكر اسمه ويخجل منه؟ الاسم هو عنوان الذات والهوية. إنها ثقافة ملعونة ومقيته تجعل مجرد وجود الأنثي في حد ذاته عارا ومسبة حتي لو قبعت في الخدور وقرت في البيوت كما تريد منها التعاليم الصفراء فهي إمرأة في مجتمع يجعلها وسيلة سب إذا أردت ان تهين رجلا قل له "يا مَرة".

هي نفس الثقافة التي حاصرت صيصا وبهية بين طريقين لكسب لقمة العيش الضنينة حاصرتهن بين بيع الجسد وإنكار هويتهن  فاخترن إنكار هويتهن حتي لايوصمن، فالوصم للمرأة فقط وللمرأة فقط. أما الرجل، فالعهر وصمة لاتعرف سبيلها إليه حتي لو باع عقله ونفسه وكيانه وجسده  للذي يدفع له أكثر. رب رجال لهم طلعة بهية كاذبة علي الشاشات يبيعون الأوطان عاهرات الليل أشرف منهم.

لكن لو تأملنا قليلا سنجد إن حياتهم المثلي التي يريدون أن تعيش عليها المرأة حتي تكون نموذج تلك الحياة المستقاة من الورق الاصفر هي فعلا تدفع النساء لأن يصبحن عاهرات إنهم لم يركنوا لعقولهم ولو لبرهة من الزمن ويتسألون ولو مرة ماذا تفعل إمرأة حرمتها من كل مهارة تكتسبها لتكون لها معين في هذه الحياة وحرمنها من إكمال تعليمها وإبقائها في البيوت وحرمناها من كل أداة تكون لها سلاحا تواجه به تلك الحياة الصعبة إلا جسدها الذي سيؤيها تحت ظل الرجل كبديل عن ظل الحيطة الذي  ينشع بالرطوبة لكن ماذا لو فقدت الظل أو لم تجده وهي مسلوبة من كل مهارة ومن كل شئ يعينها علي الحياة سوي أن تكون وعاء جنسي ومطفأ للشهوات أليس لهذا المجتمع نصيب من الوصم والعار أليس  لتلك الثقافة البالية نصيب من العار الذي يصيب عاملات الجنس، لكن ألا يخجل هذا المجتمع  الذي جعل النساء تنكر هويتها حتي يكتسبن الفتات القليل الذي يساعدهن علي المعايش ثقافة جعلت نجاة النساء في الحياة هو إنكار أنفسهن كإنكار سمعان للمسيح لينجي بحياته من الرومان حتي هذا لم يروق لحراس الفضيلة فهب أصحاب العقول التافهة يذكروننا بأنه ملعون من تشبه بالرجال من النساء أنت ملعونة علي أي حال يا سيدتي حتي لو أنكرتي نفسك أنت ملعونة لكونك أنثي وملعون أيضا ذلك المجتمع وتلك الثقافة التي تجعلك تنكرين أنوثتك لكي تعيشي.

 

** غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..
 
شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني: [email protected] 
 

 

 

التعليقات