غربلة| رباب كمال تكتب: دعمتني امرأة !

 

 

أن تكوني امرأة متمردة على المجتمع والموروثات في بلادنا فهذا موقف أشبه بسلسلة حلقات المهمة المستحيلة. ستجدين نفسك دومًا وسط مجتمع يريد النيل منك ذكورًا و إناثًا.

فالذكورية ليست حكرًا على الرجال في بلادنا، بل هناك نساء ذكوريات أكثر من بعض الرجال، هؤلاء تربين على احتقار الذات واحتقار غيرهن من النساء، وهؤلاء يُربين أبنائهن الذكور على (احتكار)  و(احتقار)  النساء، تحققًا لمقولة "المرأة هي عدوة المرأة  في كثير من الأحيان.. 

وعلى صعيد آخر هناك رجال يدعمون النسوية وحقوق المرأة عن جد، لذا فإن ما تكابده المتحررات ليست حربًا من الرجال، وإنما حرب من مجتمع ذكوري من النساء والرجال .

وحين تجد المرأة المتحررة سندًا لها في المجتمع، فهذا السند نابع من أناس يؤمنون حقًا بحرية المرأة و قد يكونوا ذكورًا أو إناثًا على حد سواء .

فمشكلة المرأة التي تثور على موروثات بالية  في بلادنا هي الأفكار الذكورية أيًا كان جنس حاملها .

بما أنني ( بكل تواضع )  واحدة من هؤلاء النساء  اللاتي يُشهرن أقلامهن للتمرد على موروثات بالية، فدومًا كنت أواجه هجومًا لاذعًا من المجتمع المتدين نهارًا والمتحرش ليلا، لكن لم أشكُ أبدًا ولم أدع المظلومية، لأن مواقفي هي مواقف معلن عنها ومواقف حرة لم يحملني أحد عليها و لأنه من الطبيعي جدا أن تتعرض الكاتبات المتحررات لكافة أشكال التشهير في مجتمع لا يرى فيها سوى مهبل و نهدين و مؤخرة و ردفين و هذه أشياء رائعة و لا نتبرئ  أو نخجل منها طالما لا نختزل أنفسنا فيها ! و إلا سنكن مثل هؤلاء الرجال الذين اختزلوا أنفسهم في  مجرد قضيب  و اعتبروا انتصابه نصرًا عظيمًا !

 

و دومًا ما وجدت نفسي أختار مواقف أدافع فيها عن نساء  يعانين من مجتمع يشن عليها الحروب إن حاولن أن يتحررن و لو قليلا .

 

فوجدت نفسي منذ عدة سنوات في موقف دفاع عن امرأة متحررة حين شرع  زملائها و زميلاتها في العمل التشهير بها ، و لم تكن حربهم عليها بسبب تحررها و لكن كانت هناك دوافع لها علاقة بمكائد العمل ، و لأن سمعة المرأة هي أسهل طريقة للفت الانتباه ، نالت هي منهم و من ألسنتهم على صفحات الجرائد هجومًا شرسًا .

 

هرعت إلى نجدتها دون سابق معرفة ، و سننت الأقلام و حشدت المؤيدين  و انتصرنا و رُد كيد الأعداء و بدأت صداقتنا من هنا .

 

لكن الرياح لا تأتي بما تشتهيه أنفسنا ، و ليس كل المتحررات مدافعات عن حقوق المرأة ، فنفس تلك المرأة التي ساندتها يومًا فعلت بي ما فعلوه أعدائها بها ذات يوم .

 

حين تضاربت المصالح ووجدت مصلحتها مع آخرين، قررت هي أن تقذف الطوب باتجاهي  قبلهم، واستخدمت السلاح الأشهر في النيل من النساء وهو التشهير بالسمعة و تجريسها بدلا من الدفاع عن حق المرأة في حريتها وهي تفعل ذلك دفاعًا عن مصالحها بأشكال شتى لوقت ليس بقليل. 

 

دائما كنت أحذر من مدعي الليبرالية والتحرر الذين يتاجرون بقضية المرأة والحرية نهارًا وينهشون في سمعتها مساءًا ولا يختلفون عن المجتمع المدعي للتدين، فمجتمعاتنا تزخر بالمدعين، مدعين التدين ومدعين الوطنية ومدعين التحرر .

 

كانت تجربة مؤلمة لكني رحلت عن دائرتها، فكيف نجلس وسط أناس تدعي أنها تحارب الظلام وهم غارقون في عتمة الليل وحذرت تلك الفتاة قبل أن أرحل عنها نهائيا ..فقلت لها لا تأمني شر من يُجرس و يُشهّر بالآخرين .

 

بالرغم أنني تعرضت للتشهير من قبل  بسبب قلمي و مواقفي ، إلا أن هذا الخنجر تحديدا الذي أتاني من امرأة تعافر من أجل حريتها  مثلي  ألمني، فخيانة المرأة لصديقتها لا تقل ألمًا عن خيانة الحبيب لحبيبته .

 

في ذاك الوقت كنت أستعد لتجميع مادة كتابية لأنشرها في كتابي الثاني وهو كتاب  دولة الإمام و للحظة أصابني اليأس ، و قلت في نفسي من  الناشر الذي سيخاطر بنشر كتاب لي بعد ما تعرضت له .

 

قررت أن أتوقف عن الكتابة تماما ، وأستمتع بحياتي و حريتي بعيدًا عن دوائر مدعي الثقافة و لربما أكون قد أصبت باليأس و دخلت في دوامة انعزال.

 

و في صباح أحد أيام شهر أغسطس الماضي 2016 ، استيقظت على رسالة عبر صفحتي على شبكة التواصل الإجتماعي ، و نص الرسالة :

 

" أنا قادمة للقاهرة ، أتابعك ، أحب قلمك ، أريد أن ألقاك  ، محباتي بحجم السماء "

 

الرسالة جاءتني من أكاديمية و باحثة و حقوقية  معروفة دوليًا، هي مهتمة بقضايا المرأة والتمييز ومناهضة كافة أشكال الإرهاب.

برغم إنجازاتها ، إلا أنها لا تهوى الأضواء ، هي تهوى تسليط الضوء على المشاكل لا على نفسها ، هي تهوى تحطيم الأصنام و تابوهات المجتمع.

تابعتها لسنوات منذ عام 2007 في انبهار، فهي لا تعيش في بلادنا بالرغم أنها تشبهنا وتتحدث لغتنا.

 

 

 

 

اضطررت أن أغسل وجهي و أعود لأقرأ الرسالة و أتأكد أنها أرسلت لي فعلا ..هي ليست اسما هينًا ، هي باحثة ثقيلة العقل و الفكر .

 

و بالفعل لبيت طلبها و التقيتها في مصر في أغسطس 2016 و كنت متوترة جدا قبل اللقاء ، لكن التوتر زال بمجرد أول دقائق من اللقاء .. سلمت هي  عليّ كأنها تعرفني و امتصت التوتر، وطلبت مني مناداتها باسمها لا لقبها العلمي.

التقيتها في وقت محنة و مراجعات فكرية و رغبة في التوقف عن أي عمل ثقافي ، فالادعاءات و الكذب و السبوبة و التمويل و التشهير  كانوا يسيطرون على كثير من مجال العمل التطوعي و العام .

 

في نهاية اللقاء، كنت أرى الأمور بشكل مختلف ، هي كانت من جلسة واحدة تعي ما تقول و ما يدور في ذهني ، هي قرأت عينيّ  جيدا و قالت "لا تتوقفي عن الكتابة، اكتبي أكثر وعبري عن نفسك وعن غيرك ."

وفي نهاية اللقاء الذي استمر ثلاث ساعات، ودعتني على أمل لقاء، وقالت لي وهي راحلة:  "لابد أن ندعم بعضنا البعض، استمري في دعم غيرك من النساء".

 

رحلتُ عنها و أنا أقول في سري  دعمتني امرأة و كانت هذه الباحثة سببا في أن أستكمل و أواصل الكتابة و حين انتهيت من كتاب دولة الإمام ، متى تخلع مصر عمامة الفقيه ؟ طلبت منها أن تكتب لي مقدمة الكتاب و قد فعلت ، إنها د. الهام مانع استاذ العلوم السياسية بجامعة زيورخ والتي جاءت من سويسرا  لتنير لي سماء القاهرة التي كانت قد قهرتني و أظلمت عليّ وسط صمت مريب .

 

حينها تذكرت كم النساء اللاتي قدمن لي الدعم و المساندة واستجمعت قواي، تذكرت أمي ملك التي ساعدتني على تحطيم أصنام عقلي . تذكرت شقيقتي إنجي وهي خير سند و عون لي في الدنيا.

وبعيدا عن روابط الدم،  تذكرت صديقة عمري ورفيقة أيامي الزميلة الإذاعية ميادة السعيد.  وتذكرت امرأة دعمتني كما تدعم كل النساء الأخريات و تفتح لهن مجالا للكتابة الحرة وهي الصديقة والزميلة الصحفية ورئيس تحرير موقع مصريات نفيسة الصباغ.

تذكرت هؤلاء و قلت في نفسي ثانية  "دعمتني امرأة " ومنذ ذلك الحين  وقد عاهدت نفسي على دعم نساء أخريات ولا أسمح لتجربة مريرة سابقة أن توقفني عما أحب.

دعم المرأة للمرأة في بلادنا هو دعم حرية الأوطان ، فلا حرية في وطن تظل فيه المرأة مُكبلة بقيود الماضي السحيق .

أكتب هذه الكلمات و أنا أدعو كل امرأة ساندتها امرأة أخرى أن تكتب عن قصتها و تقول دعمتني امرأة لربما نخرج من سجن عداء النساء للنساء في بلادنا وهو أكبر عائق لنيل حريتنا و التي هي من حرية أوطاننا .

 

غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتو بينما تجاوزه الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب.

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في غربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني:[email protected]

 

التعليقات